في صباح الأول من يوليو عام 2018، جلس رضوان فايد أمام شقيقه داخل غرفة الزيارات بسجن ريو، قرب باريس. كان يقضي حكمًا يمتد إلى خمسة وعشرين عامًا، ويخضع لإجراءات خاصة بسبب سابقة خروجه من أحد السجون دون تصريح. بدت الزيارة جزءًا من روتين معروف زائر يصل، وسجين ينتقل إلى الغرفة المخصصة، ثم يعود إلى مكان احتجازه بعد انتهاء الوقت المحدد.
لكن ذلك الصباح انتهى بصورة مختلفة تمامًا. خلال دقائق، غادر رضوان السچن على متن مروحية وصلت إلى ساحته من الخارج، بينما كانت مجموعة من معاونيه تنفذ عملية أعدت مسبقًا. أصبحت الواقعة خبرًا تتناقله وسائل الإعلام، وبدأت السلطات الفرنسية البحث عنه مرة أخرى. ولكي نفهم كيف وصل إلى تلك اللحظة، علينا العودة إلى سنوات طويلة قبل ظهور المروحية فوق أسوار السچن. وُلد رضوان فايد في مايو عام 1972 بمدينة كريل الفرنسية، لأبوين جزائريين.
نشأ وسط أسرة كبيرة في حي من أحياء الإسكان الشعبي، حيث تشكلت علاقاته الأولى وعرف الشوارع التي سيعود اسمه ليرتبط بها لاحقًا. لم تبدأ حياته داخل قاعات المحاكم أو خلف الأبواب المغلقة، بل وسط عائلة وأصدقاء ومدرسة واهتمامات تشبه ما يملأ حياة كثير من الصغار. كان يحب كرة القدم والسينما، وعمل في الأسواق خلال سنوات الدراسة. تعثر في بعض المراحل التعليمية، ثم توقف عن مواصلة دراسته بعد عدم اجتياز البكالوريا.
ووفق ما روته التغطيات التي تناولت سيرته أثناء المحاكمة، مارس أعمالًا مؤقتة، وعمل أيضًا في أحد المطارات. كانت أمامه مسارات مهنية عادية، قبل أن تتجه حياته نحو اختيارات ستقوده إلى سلسلة طويلة من القضايا. في نهاية الثمانينيات، غادر والده إلى الجزائر، ثم ټوفيت والدته عام 1990 بعد إصابتها بالسړطان، وكان رضوان في الثامنة عشرة تقريبًا. تحمل بعض إخوته الأكبر مسؤوليات الأسرة ومتابعة الأصغر سنًا.
وقد تحدث لاحقًا عن أثر تلك المرحلة عليه، لكن الظروف العائلية، مهما كانت صعبة، لا تكفي وحدها لتفسير كل ما فعله أو لإعفائه من مسؤولية قراراته. في الفترة نفسها تقريبًا، بدأت مشاركته في عمليات للاستيلاء على أموال دون وجه حق. شملت تلك العمليات بنوكًا ومحال تجارية، ثم اتسع نطاقها ليضم شاحنات نقل الأموال.
ومع تكرار الوقائع، أصبحت تحركاته موضع اهتمام متزايد لدى السلطات، وتحول اسمه تدريجيًا من شاب يعرفه أبناء الحي إلى شخص تتبعه فرق التحقيق وتبحث عن صلاته بمعاونين آخرين. كان للسينما حضور واضح في روايته عن نفسه. فقد تحدث عن تأثره بأفلام أمريكية شهيرة مثل هيت وسكارفيس، وعن إعجابه بطريقة بناء الشخصيات والمشاهد فيها. وذكر أن بعض ما شاهده انعكس على تصوراته وخياراته.
غير أن انتقال الأفكار من الشاشة إلى الواقع كان يعني الدخول في قضايا حقيقية، لها تبعات على أشخاص ومؤسسات، وتنتهي بأحكام قضائية. خلال التسعينيات، اتسعت الملفات المرتبطة به، وتنقل خارج فرنسا، ومنها سويسرا، قبل توقيفه عام 1998. أعقب ذلك سنوات طويلة من الاحتجاز. كانت هذه أول مرحلة ممتدة يفقد فيها قدرته على التنقل بحرية، ويصبح يومه خاضعًا لمواعيد وقواعد تحددها المؤسسة التي يقيم فيها.
ظلت صورته العامة مرتبطة بالعمليات السابقة، حتى عندما غاب عن الأخبار لفترات. في عام 2009، وبعد نحو عشر سنوات، حصل على إفراج مشروط. ظهر حينها أمام الجمهور بوصفه رجلًا يريد تغيير حياته والتحدث عن تجربته السابقة. أصدر في العام التالي كتابًا بالفرنسية يروي فيه سيرته، وشارك في مقابلات إعلامية ناقش خلالها طفولته وتأثره بالسينما والسنوات التي قضاها محتجزًا.
بدا أن لديه فرصة للعيش ضمن قواعد مختلفة، بعيدًا عن الملفات القديمة. في إحدى المقابلات المحفوظة في أرشيف الإعلام الفرنسي، تحدث عن شعوره السابق بأن النجاحات المتكررة جعلته يبالغ في تقدير قدرته على تجاوز العواقب. وصف أيضًا صعوبة الابتعاد عن الحياة التي اعتادها. أعطت هذه الشهادات الجمهور فرصة لسماع روايته، لكنها بقيت رواية صاحب التجربة عن نفسه، ولم تكن دليلًا على أن التحول الذي أعلن عنه سيستمر.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.