كانت تشتاق إلى السرير البسيط إلى رائحة البيت القديم إلى صوت السعال الخافت الذي اعتادت سماعه كل مساء. لم يكن الانتقال مجرد تحسن في الظروف بل اهتزاز في الهوية.كانت تسأل نفسها من أنا لوبيتا أم أرابيلالم تجبرها دونيا ريجينا على نسيان اسمها القديم ولم تطلب منها أن تمحو سنواتها الأولى.
بل قالت لها ذات مساء وهما تجلسان في الحديقةالاسم لا يصنعك يا ابنتي. أنت تصنعين الاسم.كانت تلك الكلمات بداية التوازن.كبرت أرابيلا وهي تدرك عاما بعد عام أنها لا تنتمي إلى قصة واحدة بل إلى قصتين متداخلتين إلى عالمين يبدوان متناقضين في الظاهر لكنهما اجتمعا في قلبها دون صراع.
كانت تحمل في ذاكرتها صرير باب الصفائح حين تدفعه الرياح ورائحة التراب بعد المطر وصوت النقود القليلة وهي تعد بحرص شديد فوق حصير بسيط. وفي الوقت نفسه كانت تعيش في بيت واسع تضاء أروقته بالثريات الكريستالية وتفتح لها المدارس الخاصة أبوابها وتعرض أمامها فرص لم تكن لتتخيلها يوما.
لم تنس بيت الصفائح ولا الحصير الذي كانت تجلس عليه إلى جوار أمها روزا وهي تراقبها تكافح سعالها بصمت.
لم تنس الليالي التي كانت تحصي فيها ما جمعته من بيع الورود وتعيد العد أكثر من مرة خشية أن يكون الحساب ناقصا لأن كل بيزو كان يعني جرعة دواء أو رغيف خبز أو يوما إضافيا من الصمود.
ومع انتقالها إلى حياتها الجديدة لم تتبدل روحها. في المدرسة الراقية التي التحقت بها لاحظ المعلمون نضجها المبكر وهدوءها المختلف عن زميلاتها. لم تكن تنجرف وراء المظاهر ولم تفتن بالأزياء أو السيارات الفاخرة التي يتباهى بها أبناء الأثرياء. كانت تنظر إلى كل ذلك بعين من جربت الحرمان فعرفت قيمة البساطة.
وحين بلغت سن المراهقة طلبت من دونيا ريجينا في مساء هادئ أن تزور الحي القديم من حين لآخر. لم يكن طلبها اندفاعا عاطفيا بل حاجة عميقة للبقاء على صلة بجذورها.لا أريد أن أنسى من كنت قالت بهدوء. لأنني إن نسيت سأفقد جزءا مني.
وافقت دونيا ريجينا رغم القلق الذي تسلل إلى قلبها في البداية. كانت تخشى على ابنتها من ذكريات قد تؤلمها لكنها أدركت أن القوة الحقيقية لا تأتي من الهروب من الماضي بل من التصالح معه.كانت أرابيلا تسير في الأزقة الضيقة بثقة أكبر من السابق تطرق أبوابا تعرفها وتحيي وجوها اعتادت رؤيتها.
لم تعد بائعة زهور صغيرة لكنها لم تتعامل يوما بتعال أو استعلاء. كانت تجلس إلى جوار الأطفال تسألهم عن دراستهم وتستمع إلى أمهاتهم بشغف صادق.ومع مرور السنوات بدأت فكرة تتشكل في ذهنها. كانت تتذكر خوف أمها روزا من الذهاب إلى الشرطة وتتذكر المرض الذي أنهكها لأنها لم تملك المال للعلاج.
أدركت أن كثيرا من المآسي لا تولد من الشر بل من الخوف والفقر والجهل.وحين بلغت سن الرشد أعلنت عن تأسيس مؤسسة خيرية صغيرة تحمل اسم روزا تكريما للمرأة التي أنقذتها وربتها. لم يكن الاسم مجرد لفتة عاطفية بل اعترافا علنيا بفضل امرأة لم تكن تملك شيئا سوى قلبها.
بدأت المؤسسة بتقديم مساعدات طبية للأسر الفقيرة ثم توسعت لتشمل حملات توعية قانونية حتى لا تضطر أم أخرى إلى الاختيار بين الخوف من الاتهام وإنقاذ طفل. كانت أرابيلا تشرف بنفسها على التفاصيل تراجع الملفات وتزور البيوت وتصر على أن تكون المساعدة كريمة لا مذلة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.