توقفت السيارة ونزلت دونيا ريجينا ببطء تنظر حولها في صمت ثقيل. كان الهواء محملا برائحة التراب والرطوبة. دفعت الطفلة الباب الخشبي المتهالك ودخلت. تبعتها دونيا ريجينا. كان أرض البيت من التراب المضغوط وفي الزاوية حصير بسيط تستلقي عليه امرأة شديدة النحول يغطيها غطاء خفيف.
كانت تسعل سعالا متقطعا ووجهها شاحب كأن المرض استنزف آخر ما فيه من قوة. من هذه يا لوبيتا سألت بصوت ضعيف متهدج. لم تجب الطفلة. تقدمت دونيا ريجينا خطوة وصوتها يخرج ثابتا رغم العاصفة التي تعصف في صدرها
الخاتم. أريد أن أراه.
ارتبكت المرأة وبدت عليها علامات خوف حقيقي حين رأت أناقة الزائرة وهيبتها. بعينين متوجستين مدت يدها المرتجفة تحت الوسادة وأخرجت منديلا قطنيا صغيرا عقدته بإحكام. فتحت العقدة ببطء كأنها تكشف سرا دفينا. داخل المنديل كانت هناك قلادة يتدلى منها خاتم ذهبي على هيئة وردة.
اقتربت دونيا ريجينا ومدت يدها وأمسكت القطعة برعشة خفيفة. قلبتها بين أصابعها ثم أدارته نحو الداخل. وعند الحافة الدقيقة منقوش بحروف صغيرة تكاد لا ترى كانت الكلمات
Regi Bella
توقف الزمن. شعرت وكأن السنوات الثلاث عشرة انكمشت فجأة في لحظة واحدة.
انهمرت الدموع من عينيها دون أن تحاول إيقافها. جثت على ركبتيها أمام الطفلة تحدق في وجهها بعمق. أرابيلا أأنت هي
ارتجفت الطفلة ونظرت إلى المرأة المريضة بقلق ثم عادت بعينيها إلى السيدة الراكعة أمامها. انفجرت المرأة بالبكاء. سامحيني أرجوك سامحيني أنا لست سارقة. حاولت أن تعتدل جالسة وسعالها يمزق صدرها.
قبل ثلاثة عشر عاما كنت أجمع الحطب قرب نهر سانتياغو. رأيت سيارة متروكة على مقربة من الضفة. كانت الأبواب مفتوحة. اقتربت بحذر وسمعت بكاء رضيعة. توقفت لالتقاط أنفاسها. انتظرت. ظننت أن أهلها سيعودون. لكن المطر بدأ يهطل بغزارة والنهر أخذ يرتفع بسرعة.
خفت أن تجرف المياه السيارة.فحملتها حملت الصغيرة لأنقذها. دموعها كانت تسيل بصمت. أردت أن أبلغ الشرطة لكنني خفت. أنا فقيرة لا أحد سيصدقني. ظننت أنهم سيتهمونني بالاختطاف. فأخذتها معي إلى القرية. كنت وحيدة لا زوج ولا أطفال. ربيتها كابنتي.
سميتها لوبيتا لكنني أحببتها بكل ما في قلبي. كانت الطفلة تنظر بين المرأتين ووجهها الصغير يغمره الارتباك والدموع. اقتربت دونيا ريجينا أكثر وتأملت الملامح بدقة. العينان الواسعتان بلونهما العسلي الانحناءة الرقيقة للأنف الشامة الصغيرة عند جانب
العنقلم يعد هناك مجال للشك.
كان الغضب قد اشتعل في صدرها للحظة فكرة أنها حرمت من ابنتها كل تلك السنوات لكنه انطفأ أمام مشهد الفقر والمرض والتضحية.تلك المرأة رغم عوزها الشديد لم تبع الخاتم يوما. لم تستغل قيمته المادية بل احتفظت به سرا كذكرى ووصية صامتة.
أمي همست الطفلة بصوت مرتجف هل هي أمي الحقيقيةمدت دونيا ريجينا يديها وأمسكت بيد الصغيرة ثم بيد المرأة المريضة.نعم يا ابنتي. أنا من أنجبتك. لكن هذه المرأة هي من أنقذك وربتك. لديك أمان.بكت الطفلة وارتمت في حضن المرأتين معا كأنها تخشى أن تنتزع من إحداهما.
في اليوم ذاته لم تسمح دونيا ريجينا للوقت أن يتسلل بينها وبين القرار. خرجت من ذلك البيت الصغير وقلبها مثقل بالمشاعر لكنها كانت حاسمة على نحو لم تعرفه من قبل. أجرت اتصالا واحدا فقط فكانت سيارة الإسعاف الخاصة في الطريق خلال دقائق.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.