ولما جه يغسل إيده بعد المعركة دي، سد الحوض ببواقي الأكل والدهون، فالمية وقفت وركدت، وبقت عاملة بركة عايم فيها بواقي بصل وليمون معصور وريحة المطبخ بقت لا تُطاق. نورهان كانت بتدخل المطبخ، تعدي من جنب الحوض المسدود كأنها بتعدي جنب لوحة في متحف اللوفر، تملا إزازة ميتها المعدنية من التلاجة، وتبتسم له ابتسامة لطيفة جداً وتقول تسلم إيدك يا طارق، شادد حيلك والله.. بس متنساش تقفل أنبوبة الغاز عشان أمان العمارة. طارق كان هينفجر.
وشه كان بيجيب ألوان، خصوصاً لما يصحى الصبح ملقاش قميص واحد مفرود عشان ينزل بيه الشغل في البنك، يضطر يلبس قميص مكسر تحت الجاكيت وهو شايط. ويوم الإثنين الصبح، الباب اتفتح فجأة برنة مفاتيح صاخبة ومألوفة. الحاجة تيسير دخلت.. جارة وراها شنطة السفر الترولي، لابسة نضارتها الشمس ونقاب الشياكة المعتاد، وريحة البرفان المركز سبقاها. يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم! إيه الريحة دي؟! إيه اللي مهبب الشقة كدة؟!
تيسير رمت الشنطة على الأرض وبصت برعب حواليها. الشقة اللي كانت بتلمع زي المراية قبل ما تسافر، الصالة مكركبة، جزم طارق مرمية جنب الباب، وعلى ترابيزة الصالون كوباية شاي بلبن قديمة رابية وش ناشف وواقف عليها دبانة. خرجت نورهان من الأوضة، لابسة طقم خروج شيك جداً، شعرها معمول، حاطة روج هادي، وماسكة شنطة إيدها وموبايلها. صباح الخير يا طنط.. حمد الله على السلامة، نورتي بيتك.
تيسير قلعت النضارة وبصت لنورهان من فوق لتحت بصدمة، وعينيها بتطق شرار الله لا يسلمك يا ختي! إيه الزريبة اللي إنتوا قاعدين فيها دي؟! فين الفطار؟ وفين كوباية الينسون بتاعتي؟ وإيه المنظر ده يا هانم؟ إنتِ قاعدة هنا بتعملي إيه بالظبط من يوم ما مشيت؟! في اللحظة دي، طارق خرج من الأوضة التانية وهو بيزرر قميصه بالعافية، وشه مخطوف، كأنه تلميذ خايف من أمه ماما.
. حمد الله على السلامة.. متزعليش نفسك، أصل يعني.. نورهان قاطعته بهدوء تام وبصوت ناعم زي الحرير معلش يا طنط، متلوميش طارق، هو حاول على قده والله. بس أصل حضرتك نسيتي إنك من يوم السبت لغيتي إقامتي هنا وبقيت مجرد زائرة بتصريح مؤقت. وطبعاً الأصول والذوق بيقولوا إن الضيف ميفتحش دواليب حد، ولا يمسك مقشة في بيت مش بيته، ولا يتدخل في خصوصيات أصحاب المكان. ففضلت سايبة كل حاجة لأصحاب الملك هما اللي يتصرفوا.
عروق رقبة تيسير نفرت، ووشها احمر من الغيظ، وبصت لطارق اللي واقف باصص في الأرض زي العيل الصغير إنت حكيت لها يا طارق؟! إنت بتشتكي لأمرك مني؟! طارق اتلعثم ورفع إيديه باستسلام لا يا ماما والله، السيستم بعت لها إيميل أوتوماتيك على الموبايل.. وأنا فهمتها إن دي حركة عادية عشان نوفر مصاريف الكومباوند مش أكتر.
تيسير استجمعت جبروتها كله ووقفت بنص الصالة، حطت إيدها في وسطها وبصت لنورهان بتحدي وعينين ضيقة أيوه يا نورهان، أنا اللي لغيت اسمك! الشقة دي شقتي، وملك فلوسي، وأنا حرة فيها أدخل اللي على مزاجي وأطلع اللي على مزاجي. واللي مش عاجبه الباب يفوّت جمل! إنتِ فاكرة نفسك مين؟ ده إنتِ داخلة بشنطة هدومك! عايزة تعملي عليا معلمة في ملكي وتبطلي تنضفي وتطبخي لابني؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.