” قلب سلمى دقاته بقيت تسمعها في ودانها. مسكت صندوق الخياطة الصغير بتاعها، طلعت منه مفرش دانتيل أبيض صغير كانت مفرغاه بإيدها زمان وشايلاه للظروف. حطته على التسريحة قدام المراية، وحطت فوقه ميدالية المفاتيح الحديد. المفرش الأبيض وسط الخشب الغامق كان باين زي نقطة نور.. أول أثر ليها في البيت. الباب اتخبط، وصوت راشد جه من وراه، نبرة صوته كانت مختلفة، فيها حزم بس مليانة احترام: * “انزلي يا سلمى.. المأذون مستني توقيعك.
” نزلت سلمى السلم خطوة بخطوة، مسكت القلم ببياتها وإيدها ثابتة، وقعت اسمها جنب اسم “راشد أحمد المنشاوي”. ولما المأذون قال جملته الشهيرة: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”.. لفت نوال وداليا ومراة عمها كانوا بيحاولوا يعرفوا الأخبار من بتوع الدكانة اللي قدام بوابات المزرعة. الخبر نزل على قرية المنوفية زي الصاعقة.. سلمى “العاقر المنحوسة” بقت هي ست بيت المنشاوي، وبقت المفاتيح في إيدها، والراجل اللي هابوه الكبار.
. بقى هو دفاعها وسندها قدام الدنيا كلها. الخبر انتشر في البلد زي النــ,,ـــــار في الحطب. في أقل من ساعة، كانت دكاكين القرية ومصاطب البيوت مفيش على لسانها غير حكاية “سلمى” اللي خرجت من بيت أبوها بشنتين قماش، ودخلت بيت المنشاوي وهي ست المكان. في الدوار تحت، المأذون قفل الدفتر، والحاج متولي شيخ البلد قام سلم على راشد وضغط على إيده بحرارة: “مبروك يا راشد يا ابن الأصول..
صنتها وصنت نفسك، وربنا يجعله جيزة العمر ويباركلك في بيتك.” راشد هز راسه بهدوء ووقار: “الله يبارك فيك يا حاج.. عقبال أولادك.” أول ما الضيوف خرجوا والباب الكبير اتقفل، خيم الهدوء على الصالة تاني. أم صابر كانت واقفة عند زاوية المطبخ، لافة دراعاتها على صدـ,,ـــرها وبتبص لسلمى بنظرة شفرتها مش مفهومة؛ خليط من الذهول والغيرة على مكانتها في البيت اللي كانت بتديره لوحدها من خمس سنين.
راشد لف لسلمى، بص في عينيها بثبات، وبعدين اتجه ناحية أم صابر وقال بنبرة هادية بس مفيهاش مجال للنقاش: “يا أم صابر.. من النهاردة، سلمى هي صاحبة البيت ده. الكلمة كلمتها، والمفاتيح في إيدها. أي حاجة تخص المطبخ أو البيت ترجعي فيها ليها الأول.” أم صابر بلعت ريقها بالعافية، وشها اتشد، بس هازت رأسها بقلة حيلة: “أمرك يا حاج.. مبروك يا ست سلمى.
” سلمى قربت منها خطوة، وبصت في وشها بابتسامة دافية وهادية، من غير أي استعلاء أو غرور: “الله يبارك فيكي يا أم صابر.. البيت ده قايم بيكي من سنين، وأنا مش جاية أغير نظامك، أنا جاية أساعدك ونشيل البيت سوا.” أم صابر اتفاجئت بالكلام، ملامح وشها المتشنجة بدأت تفك شوية بشوية، وهزت رأسها بقلة حيلة احتراماً لموقفها: “ربنا يخليكي يا بنتي.. أصيلة من يومك.
” راشد تابع الموقف بعينيه، وعلامات الرضا ظهرت في عينيه من غير ما يتكلم. مشي ناحية الباب الخشب الكبير، مسك الشال أطرافه وضبطه على كتفه: “أنا طالع المزرعة، عندي تسليم شحنة مواشي للتاجر، وراجع على المغربية. لو احتاجتي أي حاجة يا سلمى، معوض بره عند البوابة.” سلمى هازت رأسها: “مع السلامة يا حاج.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.