»نادية مسكت إيدي وقالتلي وعينيها بتلمع بفخر:— «اطلعي يا بنتي خدي حقك. اللي زيهم عاشوا عمرهم كله فاكرين إن الطيبة ضعف، وإن الست لما بتثق بتبقى صيد سهل. عرفيهم مين هي ليلى المنشاوي.»نزلت مع كمال، ركبنا عربية سودا بزجاج عاتم كانت مستنيانا ورا بيت نادية. طول الطريق وأنا باصة للشوارع، حاسة ببرود غريب بيملا عروقي، كل نبضة خوف اختفت، وما فضلش غير رغبة مشتعلة في رؤية وشوشهم لما يشوفوا الميتة وهي قايمة من تربتها تقفل عليهم باب القبر.
وصلنا المقر الرئيسي للبنك الاستثماري في قلب التجمع الخامس الساعة تمانية وتلت. دخلنا من بوابة خلفية مخصصة للنيابة وإدارة التفتيش. طلعنا بالأسانسير الخاص للدور التالت مباشرة. ممر طويل مفروش بسجاد رمادي فاخر، وفي آخره قاعة اجتماعات VIP ضخمة بزجاج عاكس للصوت، مفيش حد يقدر يسمع اللي جوة إلا لما تفتح الباب. كمال وقفني قدام شاشة مراقبة داخلية موصولة بكاميرات القاعة، وقال بهمس حاسم:— «شوفي بنفسك.»جوة القاعة، كان المشهد كأنه مسرحية من مسرحيات الجحيم.
إيهاب قاعد على راس الترابيزة وحاطط رجل على رجل ومبتسم بزهو، جنبه رامي وسارة اللي عينيها كانت بتلمع وهي بتبص لشنطة الأوراق، ومدحت الصاوي المحامي المشطوب ماسك قلم حبر تقيل وبيراجع العقود، وقصادهم كان قاعد «دكتور فؤاد» ببدلته الكلاسيكية وشعره الأبيض وابتسامته الوقورة المزيفة، وقدامهم شاشة عرض عملاقة على الحيطة فيها طارق السيوفي قاعد في مكتبه الفخم في مانهاتن لابس نضارته الماركة وسيجاره في إيده.
دكتور فؤاد اتكلم بصوت واضح سمعه المايك الداخلي:— «كل الأوراق مستوفاة يا فندم.
دي التوكيلات الرسمية الموثقة من ليلى المنشاوي بخصوص إدارة ورهن الأصول، وده إقرار كتابي منها ومطابق لدفاترنا، والسيستم اعتمد سفرها النهاردة الصبح لباريس، والتمويل بمليون وربع دولار هينزل فوراً في حساب شركة نِبرا للتطوير بضمان العقار.»طارق السيوفي اتكلم من الشاشة في نيويورك بنبرة متعالية ومستعجلة:— «ممتاز يا فؤاد.
بمجرد تأكيد قيد الرهن وإيداع المبلغ، الحصة الاستثمارية هتتفعل في محفظتنا في نيويورك قبل إغلاق السوق النهاردة. اتفضلوا امضوا واقفلوا الصفقة.»مدحت المحامي المزور ناول إيهاب العقد عشان يمضي بصفتها وكيلاً عاماً وراهناً.
إيهاب مسك القلم الذهبي، وقبل ما سنه يلمس الورقة بثانية واحدة…كمال التفت ليا وفتح دراع الباب العازل للصوت بالكامل، وقال بصوت هز الممر:— «دلوقتي يا ليلى… ادخلي!»الجزء السادس والأخيرالباب اتفتح بصرير خفيف، لكن وقعه في القاعة كان زي رعد هز أركان المكان كله. دخلت بخطوات ثابتة وواثقة، كعبي كان بيخبط على الأرض الرخام بإيقاع هادي ومحسوب، وراسي مرفوعة وعيني مثبتة على نقطة واحدة بس: وش إيهاب.
القلم الدهبي وقع من إيد إيهاب على الترابيزة ورن رنة مكتومة. شفايفه اتفتحت ومطلعش منها ولا صوت، وشه اتقلب في ثانية من الحمار المزهو للون الرماد، وكأن ملك الموت دخل عليه وسحب روحه قدام عينه. سارة شهقت بصوت عالي وهي بترجع بكرسيها لورا برعب:— «ليلى؟! إنتِ... إنتِ مش في باريس؟!»رامي انتفض واقف، والورق اللي في إيده اتبعتر على السجاد.
أما دكتور فؤاد، فالنضارة الطبية وقعت من بين صوابعه المرتجشة فوق العقد المزور، وعينيه بقت بتبصلي بذهول مشلول مش قادر يستوعب الكابوس اللي شايفه. مشيت لحد ما وقفت على راس الترابيزة قصاد إيهاب بالظبط، سحبت الكرسي الفاضي وقعدت، حطيت شنطتي قدامي، وبصيت في عينيه بابتسامة باردة جداً، وقولتله:— «باريس برد شوية اليومين دول يا إيهاب... قولت أرجع أشوف إنت ناوي تبيع بيت جدتي بكام، وألحق أطمن على الـ480 ألف دولار اللي وزعتهم على حبايبك.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.