” لم يعلموا أن “عزهم” الذي يتغنون به، كان قائمًا على اقتطاع جزء من شغفي وصبري، وأن الظهر الذي ظنوا أنه انكسر بموت أبي، كان يستند إلى شرف وحق لا يمكن لسارق أن يغتصبه. مع أول شعاع لفجر اليوم التالي، خرجت من الغرفة. كان البيت يلفه السكون، والدمار الذي خلفوه على السفرة ما زال شاهدًا على القسوة والوضاعة.
لم ألمس طبقًا، ولم أنظف شوكة. بدلاً من ذلك، ارتديت أفضل ما لديّ، عباءة سوداء أنيقة وحجابًا مرتّبًا، وجلست في الصالة أنتظر. في تمام الساعة الثامنة صباحًا، انطلق جرس الباب بقوة واستمرار، نغمة لم يعتد عليها هذا البيت الهادئ. استيقظ طارق فزعًا، يرتدي جلبابه وهو يصيح بغضب: “مين الغبي اللي بيخبط السبت الصبح كده؟” خرجت شيرين من غرفتها بقميص نومها وهي تتثاءب وتتحطم، ومريم تفرك عينيها بضيق.
فتح طارق الباب وهو يستعد للشتيمة، لكن الكلمات تجمدت في حلقه. كان يقف على الباب ثلاثة رجال ببدل رسمية داكنة، يتقدمهم رجل خمسيني بملامح حادة ونظارات طبية، يحمل في يده حقيبة جلدية فاخرة، وخلفه اثنان من المحامين وأحد رجال الحراسة. رد الرجل بنبرة عملية حاسمة: “أستاذ طارق؟ أنا الأستاذ فتحي المحامي، وكيلا عن السيدة/ نورهان.. إحنا جايين ننفذ إجراءات بيع وحصر التركة ونستلم الأصول.
” تراجع طارق خطوة للوراء وهو ينظر إليّ بذهول: “أصول إيه وتركة إيه؟ إنت متخلف؟ دي مراتي وملهاش حيل ولا حيلة!” تقدمت بخطوات ثابته، ووقفت بجانب الأستاذ فتحي، ورمقت طارق بنظرة أبرد من الثلج. قال المحامي وهو يخرج حزمة من الأوراق والمستندات الرسمية الموثقة بالشمع الأحمر: “السيدة نورهان لم تكن مجرد عروس بدون ظهر كما توهمت يا أستاذ. المرحوم والدها كان يمتلك نصف أسهم الشيكات والشركات التي تدار منها مجموعة المحلات التي يعيش منها بيتك وعائلتك.
. ونصف العمارة التي تقفون على أرضها حاليًا مكتوبة باسمها بعقد بيع نهائي وشامل، كانت تركت إدارة حصتها لوالدك الله يرحمه ومن بعده لك، حباً وحسناً للنية.. واليوم، بصفة رسمية، تم بيع كل حصتها لشركة استثمارية كبرى، وجايين نثبت الحالة ونطالبكم بإخلاء الجزء الخاص بالشركة أو دفع قيمة الإيجار بالسعر الجاري.” سقطت الصينية من يد شيرين التي كانت تتابع من بعيد، وصرخت مريم: “إنتوا بتخرفوا بتقولوا إيه؟
! البيت ده بتاع أبونا!” رد الأستاذ فتحي بابتسامة سخرية: “أبوكم كان شريك بالنصف فقط، والست نورهان باعت حصتها بالكامل بمليون وثمانمائة ألف دولار لعملائنا، ومعايا أمر قضائي بوضع اليد والتسليم اليوم.” التفت طارق إليّ، وعيناه تأكلان وجهي من الصدمة والرعب، يداه ترتجفان وهو يحاول الإمساك بذراعي: “نورهان.. إنتِ بتعملي إيه؟ إنتِ اتجننتِ؟ بتبيعي شقا عمري وعمر أبويا للأغراب؟” سحبت يدي بمنتهى القوة والاشمئزاز، ورفعت رأسي بثبات: – “شقا أبوك؟
الأرض دي أرض أبويا، والفلوس اللي كبرتكم وصرفت على تعليم أختك وجوازتك من هانم الهوانم دي، كانت من خير أبويا اللي كنت بتقول عليه فلاح! الفلاح ده سابلي ورث يشتريك ويشتري العيلة دي كلها باللي فيها.” صرخت شيرين وهي تتقدم وهي ترتجف غضبًا: “إنتِ فاكرة نفسك مين؟ إحنا هنرفع عليكِ قضايا ونثبت إنك نصابة!
” ابتسمت لها ببرود، وقربت منها خطوات حتى أصبحت على بعد سنتيمترات من وجهها المرتعب: – “القضايا دي للمحترمين يا شيرين.. إنما القرف والزبالة اللي ترمت بقلة أدبك أمس، تكلفتها هتتدفع غالي أوي. الشركة المشترية جاية باستلام فوراي، ومن بكرة، الشقة دي برضه هيدخلها خبير يقيم إيجارها، يا تدفعوا إيجار النصف اللي ساكنين فيه بالسعر المالي الجديد، يا تتفضلوا تدوروا لكم على خرابة تليق بإتيكيتكم!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.