دهبى أمانى سيد

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

بصت تحت رجليها.. لقت برواز صورتهم القديمة مرمي جنب شنط الهدوم المقطعة؛ وشوشهم فيها كانت لسه بريئة ومتعرفش يعني إيه غدر. وجنب البرواز الورقة الملعونة.. عقد الشقة اللي اتدفع دمه من بيع غوايش أمها يوم ما كان مديون ومش لاقي ياكل، عشان يوقف على حيله ويكبر.. وأول ما ريشه قِوي، كتب البيت باسم الهانم الجديدة كادو ومؤخر صداق على الجاهز، وفي ليلة العيد!

هو كان واقف مربع إيده، وشه خشب مفيش فيه نقطة دم، بيبص لدموع عياله كأنهم شحاتين على بابه. رفعت عينها ليه، اتقابلت عيونهم ثانية واحدة، بس مكنش فيها نظرة استعطاف، كان فيها انطفاء ووجع قلب اتحول في لحظة لحجر. مسحت دمعتها بطرف طرحتها، وضمت العيال وقالت بصوت واطي بس يرن في الحيطان: “اشبع ببيتك وعزك يا ابن الأصول..

الأيام لسه طويلة والدنيا بتلف، وبكرة هتدور على ضفر عيل من دول ومش هتلاقيه، وساعتها اللي بعت ولادك عشانها.. هتبيعك بتراب الفلوس.” وقفت على حيلها براحة، شدت الشنطة المتبهدلة بإيد، ومسكت في عيالها بالتانية، ونزلت درجات السلم بخطوة ثابتة وسط ضلمة الشارع، سايبة وراها باب اتقفل في وشها، بس فتح ألف سكة لحساب جاي لا محالة.

نزلت رجلها على أول بلاطة في الشارع، وكانت الهوا الساقع يلطش وشوش العيال الباكية، وأغاني العيد طالعة من المحلات والبيوت حواليهم كأنها سكاكين بتدبح في قلبها. الناس في الشارع بتجري تشتري لبس العيد وحلوياته، وهي بتجرجر شقاها في شنط مقطعة وعيالها مشبوكين في هدومها من الرعب. ابنها الصغير رفع عينه بدموع بريئة وسألها بصوت بيترجف: “ماما.. إحنا رايحين فين؟

وبابا ليه مش نازل ورانا؟” بلعت ريقها المر، وحبست غصة في حلقها كانت كفيلة تهد جبال، ونزلت لمستواه، مسحت وشه بكم عبايتها وقالتله بنبرة مليانة قوة معرفتش منين طلعت: “بابا اختار طريقه يا حبيبي.. وإحنا رايحين نبني بيتنا من أول وجديد، بيت مفيش فيه خيانة، ولا فيه مكان لحد يبيعنا.” مدت إيدها في جيب العباية، مكنش حيلتها غير كام جنيه فكة باقين من مشوار الصبح، وتليفون قديم مكسور شاشته.

وقفت تحت عمود النور، سحبت نفس طويل بطعم القهر والعزيمة في نفس الوقت، وطلعت التليفون ورنت على النمرة الوحيدة اللي باقية ليها في الدنيا وسندها الحقيقي. الخط فتح على صوت دافي ولهفان، مكنتش محتاجة تشرح كتير، أول ما قالت: “أنا في الشارع بولادي يا فلان.. طردنا وباع كل حاجة”، جه الرد اللي رد الروح في عروقها: “اثبتي مكانك ومتنزليش دمعة واحدة.

. ربع ساعة وأكون عندك، وحقك وحق عيالك هيرجعلك تالت ومتلت بالقانون ومن عينه.” قفلت السكة، بصت لمدخل العمارة اللي خرجت منها لآخر مرة، رفعت راسها للسما، وابتسامة تحدي اترسمت وسط ملامحها الحزينة، عارفة إن الليلة دي مش نهاية الحكاية.. دي بداية معركة مش هتخرج منها غير وهي كاسرة اللي استقوى عليها وظلم عيالها.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
936مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة