داليا كانت بتحاول تجمع شتات نفسها وهي بتزعق في التليفون بصوت واطي ومختنق: — شريف! أمك سابتني ومشيت! سابت الـ 3 عربيات واقفين ومضيتش بالكارت! — يعني إيه سابتك ومشيت؟! هي اتجننت ولا إيه؟! أومال مين هيدفع الـ 22 ألف جنيه دي؟! أنا معاييش كاش في البيت، والكارت بتاعي مقفول عشان قسط العربية! اتصرفي! ادفعي من كارتها! — بقولك سابتني وخرجت! خدت محفظتها ومشيت! والناس كلها بتتفرج عليا هنا! — طب اتصرفي يا داليا!
سيب المشتريات وتعالي بسرعة عشان تحضري الأكل! زمايلي على وصول! داليا سابت العربيات في نص السوبر ماركت وخرجت تجري وهي بتغلي من الغضب. كانت حاسة بتهديد لمكانتها قدام جوزها ولشكلها قدام الناس، بس في نفس الوقت، كانت متأكدة إن أمها رجعت البيت، قاعد في الأوضة جنب الرطوبة بتعيط ومستنية الستار لما يترفع عشان تتأسف. لكن اللي داليا وشريف ما كانوش يعرفوه.. إن الـ 21 ألف جنيه بتوع الأكل دول كانوا أصغر حاجة في القائمة.
الحاجة الحقيقية اللي أنا قررت أوقف دفعها الليلة دي.. كانت “الخدمة ” اللي شريف وداليا عايشين عليها من أربع سنين من غير ما يحسوا. شريف كان شغال مدير مالي في شركة مقاولات متوسطة. والشركة دي كانت بتمر بأزمة، وشريف عشان يبان الخبير اللي بي نقذ الشركة، كان بياخد الملفات والحسابات المعقدة الميزانيات ويجيبها البيت.
أنا.. سعاد.. اللي كانوا فاكرينني مجرد كراكيب في البيت، كنت رئيسة حسابات سابقة في وزارة المالية لمدة 35 سنة قبل ما أطلع معاش. كل الميزانيات المكسورة، وكل القوائم المالية اللي شريف كان بياخد عليها مكافآت وترقيات ويتقال عليه “العبقري اللي بيحل المعضلات”، أنا اللي كنت بقعد بالساعات على مكتبه بالليل، بنظارتي القراءة، أظبطهاله، وأحل اللوغاريتمات المالية، وأعدل الأخطاء اللي كانت ممكن توديه في داهية أو تطرده من شغل.
مش بس كده.. دي الشقة اللي هما عايشين فيها، الأرضية اللي اتبنى عليها الدور الأرضي ده.. العقود بتاعتها كانت مكتوبة بشرط جزائي وبند صريح في الشراكة القانونية: “حق الانتفاع الكامل والإدارة المالية للمبنى لصالح سعاد عبد الحميد طالما هي على قيد الحياة، ولا يجوز التصرف أو استغلال العقار إلا بموافقتها الكتابية”. هما كانوا فاكرين إن البيع كان نهایی وإن الفلوس راحت في الأرض.
كانوا فاكرين إن السكوت ضعف، وإن السن كبر وخرف. عماد جالي بالعربية. ركبت جنبه، بص لي بابتسامة دافية وقدم لي أزوزة مية وعلبة شاي يانسون مقفولة زي اللي كانت في إيدي في السوبر ماركت. — ها يا طنط سعاد.. على فين؟ على ولا على الفندق؟ — ولا هنا ولا هنا يا عماد. خدني على الزمالك. عماد بص لي بصدمة وابتسم: — شقة الزمالك؟! إنتِ لسه مأجراها؟ — المؤجر مشي الشهر اللي فات، وأنا جددت الصيانة وقفلتها.
. كنت شايلاها للزمن، والزمن جه يا عماد. وصلنا الشقة. عماد فتح الباب، الدفء والهدوء كانت نظيفة، الأثاث القديم العريق متغطي بالملائات البيضا. قعدت على الكنبة، وعماد قعد قدامي وفتح شنطته الجلد: — اتفضلي يا طنط. دي أوراق الوديعة.. فيها مليون و800 ألف جنيه، أرباح شقة الزمالك ومعاشك اللي كنتِ بتوفريه. وده توكيل الإدارة المالية الشامل.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.