في اللحظة دي، حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت. بس مش قلبي. الخوف. قفلت محفظتي بهدوء وقلت: — لأ. داليا بصّتلي وهي مش مستوعبة. — نعم؟! — قلت لأ. مش هدفع. ولأول مرة من سنين، ما استنيتش إنها توافق أو ترضى. لفيت وبدأت أمشي ناحية باب الخروج. سمعت صوتها ورايا: — ماما! استني! أنا مش جايبة الكروت! كملت مشي. — يا ماما ارجعي! الناس اللي شريف عازمهم هييجوا بعد شوية! ما وقفتش.
وصلت عند باب السوبر ماركت، والباب الأوتوماتيك بدأ يفتح قدامي. وفجأة سمعت صوت داليا عالي ورايا: — لو خرجتي من الباب ده… ما ترجعيش بيتي تاني! وقفت. ثانية واحدة بس. وبعدين كملت وخرجت. وأنا ماشية في الشارع، وسمعت صوتها بيقل ورايا، حسيت لأول مرة من أربع سنين إني باخد نفسي براحة. وساعتها فهمت الحقيقة اللي كنت برفض أشوفها: أنا ما كنتش عايشة معاهم… أنا كنت اللي شايلة بيتهم كله.
بفلوسي. وبوقتي. وبصحتي. وبسكوتي. وأنا لسه ما كنتش أعرف إن خروجي من السوبر ماركت ده هيكون أول خطوة في أكبر قرار أخدته في حياتي. لأن داليا وشريف كانوا فاكرين إن أقصى حاجة هعملها إني أزعل كام يوم وأرجع أعتذر. لكنهم ما كانوش يعرفوا إن الليلة دي، وأنا راجعة على بيتي القديم اللي ما بقاش موجود، كان في حاجة واحدة بس أنا قررت أوقف دفعها. مش فاتورة الكهربا. ولا فاتورة الأكل. ولا حتى مصاريف البيت.
حاجة كانت قيمتها أكبر من كل ده بكتير… وبدونها، حياتهم كلها كانت هتتقلب في ليلة واحدة. هي ما كانتش تعرف إن اللي قبل القرار. طلعت موبايلي من الشنطة. أيدي كانت بتترعش، بس مش من الخوف، من الأدرينالين اللي بقاله سنين عماد ده ما كانش مجرد محامي، ده كان صاحب عمري أنا وأبوه حسن الله يرحمه.
كان زي ابني اللي ما خلفتهوش، والوحيد اللي كان معترض أشد الاعتراض يوم ما بعت شقتي القديمة وكتبت الفلوس باسم داليا وشريف بحجة الشرا في — أهلاً يا طنط سعاد.. خير؟ صوتك مش عاجبني، إنتِ فين؟ وقفت تحت عامود نور مطفي في شارع جانبي، ونفخت نفس طويل وقلت له: — عماد.. أنا في الشارع. وسبت داليا. ومش راجعة هناك تاني.
السكوت ساد الناحية التانية لثواني، وبعدها جاني صوته جاد وصارم: — إنتِ فين بالظبط يا طنط؟ أنا جايلك حالاً. — أنا جنب السوبر ماركت الكبيرة اللي في شارع الطيران. تعال خذني يا عماد.. بس قبل ما تجيلي، عايزة أسألك سؤال واحد.. الوديعة والتوكيل اللي كنت عملتهولك من سنتين، لسه شغالين؟ صوت عماد تغير، وبقى فيه نبرة ارتياح غريبة: — الوديعة مقفولة وباسمك إنتِ وبس يا طنط، والتوكيل الرسمي العام في الشؤون القانونية والمالية معتمد وزي الفل..
إنتِ أخيراً قررتي ولا إيه؟ ابتسمت ابتسامة مكسورة تحت ضوء عربيات الشارع وقلت: — قررت أوقف دفع الثمن يا عماد. تعال خذني. في الوقت ده، كان السوبر ماركت في حالة هرج ومرج. داليا واقفة قدام الكاشير، وشها جايب ألوان، الطابور وراها بيطول، والنظر ات اتجمعت عليها. 3 عربيات مليانين من كل ما لذ وطاب، والناس مستنية، والكاشير واقف ماسك الإيصال ومستني الدفع.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.