اعتنيت بجارتي العجوز

نُشر منذ 3 أيام
حفظ
غلاف المقال

وقفتُ في ممر الضيقة، صوابعي على الورق الأصفر، وعيني عمالة تجري بين السطور اللي انكتبت بخط يدها الضعيف، وصوتها كأنه طالع من حيطان الأوضة يوشوشني بالحقيقة: > «يا كريم يا ابني.. أكيد إنت زعلان إني ما سبتلكش حاجة في الوصية المعلنة قدام الناس. لكن صدقني.. اللي حضرته ليك هيغير حياتك. أنا لو كنت كتبتلك البيت أو الفلوس في العلن، بنت أختي الجشعة وعيلتها مكنوش هيرحموا شبابك، كانوا هيرفعوا عليك قضايا حجر وتزوير ويجرجروك في المحاكم ويسرقوا منك كل مليم، لأنك في نظر المجتمع “الولد الغريب اللي ملوش ضهر”.

> أنا تبرعت بالبيت والفلوس الظاهرة قدام المحامين للجمعيات عشان أقطع لسانهم وأقفل طمعهم للأبد.. أما ليك أنت يا ضهري وسندي في دنيتي.. فالمفتاح النحاس اللي في إيدك ده بيفتح الخزنة القديمة المستخبية ورا ضهر الدولاب الخشب في .. الخزنة دي فيها أصول سبائك دهب وعقود أرض مسجلة باسمك “بيع وشراء نهائي وبصمتي” من سنة فات ت.. الأرض دي داخلة في مشروع تطوير المحور الجديد وتمنها يكسر الـ ٢٠ مليون جنيه.

. خدهم يا كريم.. خدهم يا ابني واشتري بيهم الدفا والأمان اللي اتحرمت منهم طول عمرك.. إنت مش غريب.. إنت ابني اللي ربنا بعتهولي على آخر أيامي.» > دموعي انهمرت بغزارة على الجواب، وحسيت بنور الأمان بيغسل رعب السنين والملاجئ من جوايا. المحامي ابتسم وربت على كتفي وقال بصوت دافي: «الحاجة نعمات وكلتني في السر بكل الإجراءات دي من شهور يا كريم بيه.

. اتفضل معايا على بيتها عشان ننفذ وصية الملكة الصادقة.» أول ما وصلنا البيت، إن بنت أختها الجشعة كانت هناك، ومعاها لودر وعمال وعمالين يقلبوا البيت ويفتشوا في الحيطان ويهدوا الأثاث بجشع مقرف بيدوروا على أي دهب أو نقدية مخبية! أول ما شافتني داخل ومعايا المحامي، لوت شفايفها وبصت لي باحتقار وزعيق: — بنت أختها: «إنت جاي هنا ليه تاني يا شحات يا بتاع الملاجيء؟ خلاص نعمات والبيت اتبرع بيه ومفيش ليك هنا مليم واحد شحتة!

اطلع برة قبل ما أطلبلك الشرطة!» المحامي تقدم بكل هيبة، وطلع المحضر الرسمي الموثق في الشهر العقاري وبص لها ببرود: — المحامي: «السيدة نجلاء.. اتفضلي إنتي والعمال برة حالا.. الحاجة نعمات باعت وتنازلت عن كل الأثاث الداخلي ومحتويات الجدران والأرض للأستاذ كريم بيع ونفاذ رسمي قبل و. فاتها بـ ٦ شهور.. ودخولك هنا يعتبر ممتلكات خاصة وعقوبتها الصبح!

» الست شحب وجهها تماماً واللودر والعمال انسحبوا برعب من الفضيحة والقانون، وانطردت برة البيت وحيدة ومكسورة الكبرياء والجشع للأبد. دخلتُ أوضة الحاجة نعمات.. ريحة بخورها الهادي كانت لسه في المكان. زقيت الدولاب الخشب القديم، وفتحت الخزنة بالمفتاح النحاس الصغير.. ولقيت سبائك الدهب وعقود الأرض المختومة باسمي، وجنبهم الشراب الصوف الأخضر البشع اللي كانت عملتهولي عشان رجليا متسقعش! أخذتُ الشراب وضميته لصدري وبكيت من كل قلبي.. بكيت رضا، وعوض، وحب حقيقي ملوش شروط.

بعد مرور عام كامل على تلك الليلة التاريخية الموعودة في مايو ٢٠٢٦.. الأرض اتباعت للمستثمرين بالمليونيرات الحلال، وأنا بقيت صاحب شركة المقاولات والاستثمار الخاصة بيا في القاهرة، وراسي فوق السحاب وبكسب ملايين بالحق والنظافة. بيتي الجديد الفخم مابقاش ساقع؛ بقى دافي، وبقيت أروح كل ويكيند أزور دور الرعاية اللي كبرت فيها، وأوزع على الأطفال لبس شتوي دافي وجزم جديدة وبسكويت طازة، وبقولهم بثقة: «متخافوش من الضلمة.

. ربنا دايماً بيبعت العوض في الوقت المناسب.» وعرفتُ إن جارتي العجوز نعمات سابتلي حاجة أكبر بمليون مرة من الدهب والفلوس.. سابتلي “الأهل” و”الاسم” وكرامتي اللي عشت عمري كله عشانها. وعشت أنا فوق السحاب بالحق والرحمة والنور والكرامة العظيمة التي لا للأبد. **تمت.**

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
949مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة