اعتنيت بجارتي العجوز

نُشر منذ 3 أيام
حفظ
غلاف المقال

اعتنيت بجارتي العجوز اللي عندها ٨٥ سنة عشان الورث… لكنها رحلت وما سابتليش أي حاجة. وفي صباح اليوم التالي، المحامي خبط على بابي وقال: — “في الحقيقة… هي سابتلك حاجة واحدة.” أنا اتربيت طول عمري في دور الرعاية أمي رمتني بعد الولادة مباشرة وأبويا قضى أغلب عمره في . ماكنش عندي حد لا جدود لا إخوات. ولا شخص واحد مستنيني في أي مكان.

ولما بلغت ١٨ سنة والنظام “رمى” بيّا للحياة… فضلت أتنقل بين شغلانات تعبانة في مدينة صغيرة، الناس فيها أصلًا ما بتلاحظش إذا كنت عايش ولا مختفي. لحد ما جارتي العجوز “الحاجة نعمات” لاحظتني. كنت بسحب أكياس ناحية الرصيف في صباح شتوي تلج، لما فتحت باب بيتها ونادت عليّ: — “يا ابني… لو عايز تكسب فلوس عدلة، تعالى ساعدني ونشوف هنتفق على إيه.” كنت هضحك لأن محدش قبل كده عرض عليا “فلوس عدلة.

” دخلت بيتها الصغير قعدنا نشرب شاي خفيف وبسكويت بايت، وبدأت تتكلم بمنتهى البساطة. قالت إنها لا جوز لا عيلة قريبةولا أي حد مستعد يعتني بيها. وقالت وهي بصالي بثبات: — “لو ساعدتني بجد… كل اللي عندي هيبقى ليك في الآخر.” مافكرتش حتى. قلت فورًا: — “اتفقنا.” في الأول كان الموضوع مجرد شغل أجيب طلبات. أغير لمبات أرتب الدوا في علبة الأيام أصلّح ضلفة دولاب. أشيل التلج من قدام البيت.

لكن في وقت ما… الحكاية اتغيرت مرة ادتني شراب صوف أخضر شكله بشع جدًا. وقالت: — “عشان رجليك ما تسقعش.” عملت نفسي مش مهتم لكن بالليل لبسته. ومن بعدها تقريبًا…كنت كل يوم أفضل عندها أطول من اللازم. حكتلي عن جوزها اللي كان بيرقص وحش جدًا في فرحهم. وعن الطماطم اللي كانت تزرعها كل صيف. وعن إحساس الوحدة لما الناس تمـ,ـوت واحد ورا التاني، والبيت يبقى ساكت بشكل مؤلم. وببطء… لقيت نفسي بحكيلها أنا كمان.

عن الملاجئ. وعن إني كنت بنام بالجزمة عشان ماكنتش عارف إمتى هينقلوني مكان تاني. وعن أعياد الميلاد اللي محدش افتكرها. ولأول مرة في حياتي… حسيت إن في حد فعلًا يهمه إذا كنت هرجع البيت عايش ولا لأ. لحد صباح… لقيتها قاعدة على كرسيها المفضل. التليفزيون شغال بهدوء على برنامج قديم بتحبه. وشها كان هادي. ساكن.

خلص. الحاجة نعمات وهي نايمة. كانت صغيرة. باردة. وهادية. وقفت لوحدي في آخر الصف، والناس اللي بالكاد تعرفها بتقول كلام محفوظ عن الطيبة والإيمان. وبصراحة؟ جزء مني كان مقتنع إن حياتي أخيرًا هتتغير. وكرهت نفسي شوية بسبب الإحساس ده. لكن بعد سنين من العيشة من مرتب لمرتب… فكرة إني أورث بيتها الصغير وشوية فلوس كانت شبه الأمل.

وبعدين… قراءة الوصية بدأت. البيت راح لجمعية خيرية. الفلوس راحت للكنيسة. الدهب راح لبنت أختها اللي ما زارتهاش من ٦ سنين. وأنا؟ ولا حاجة. ولا حتى جواب. ولا حتى كلمة “شكرًا.” قعدت وأنا شايف المحامي بيقفل الورق بهدوء كأن مفيش حاجة مهمة حصلت. رجعت البيت مش مستوعب. تابع المقال 2 اعتنيت بجارتي العجوز فضلت أعيد كل كلامها في دماغي. كل مرة قالتلي: — “إنت راجل كويس يا كريم.

” طيب ليه؟ عشان في الآخر تسيب كل حاجة للغرب؟ نمت تقريبًا اليوم كله من القهر. وفي اليوم اللي بعده… سمعت خبط على الباب. بطيء. وتقيل. فتحت… لقيت المحامي واقف، وفي إيده علبة أكل معدن قديمة ومخربشة. قال بهدوء: — “الحاجة نعمات كانت سايبة تعليمات إضافية.” وبعدين بصلي مباشرة وقال: — “في الحقيقة… هي سابتلك حاجة واحدة.” أخدت العلبة منه وأنا مش فاهم.

فتحتها… لقيت مفتاح نحاس صغير، وظرف عليه اسمي بخط إيد . “كريم.” قلبي شد فجأة. فتحت الجواب بحذر. وأول سطر كان: “يا كريم… أكيد إنت زعلان إني ما سبتلكش حاجة. لكن صدقني… اللي حضرته ليك هيغير حياتك.” ركبي تقريبًا ما شالتنيش. لكن لما قريت السطر اللي بعده… كل حاجة كنت فاكر إني أعرفها عن الحاجة نعمات… اتقلبت تمامًا.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
936مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة