الذكرى الخامسة ج1 الكاتبة نرمين عادل همام

نُشر منذ 4 أيام
حفظ
غلاف المقال

اتنفس براحة، وكأنه فهم إني هخرج أهدى شوية، وبعدها هرجع لشقتنا الفخمة زي كل مرة. لكن أنا وقفت مكاني، ولفيتله ببطء. لأ، إنت فهمتني غلط. أنا قصدي إني راجعة بيتي فعلًا. عقد حواجبه، وقال بنبرة حادة: ما البنت عاقلة وبتتكلمي إزاي؟ شقتنا هي بيتك يا مريم! بصيت حواليّا للمكتب الفخم، للأثاث الغالي، للرخام اللي كنت واقفة عليه، وللراجل اللي كنت فاكرة إنه سندي وأماني في الدنيا. وبعدين رجعت بصيتله وقلت: كان بيتي يا آدم.

إنما دلوقتي مبقاش بيتي. اتحرك بسرعة ووقف قدامي، مانعني أخرج. إحنا مش هننهي خمس سنين جواز بالطريقة دي! رفعت عيني في عينيه، وقلت بكل هدوء: إنت اللي أنهيتهم يا آدم، مش أنا. ولأول مرة من ساعة ما عرفته، شفت في عينيه حاجة شبه الخوف. يمكن لأنه بدأ يستوعب إني مش بهدده، وإن المرة دي مش هتكون زي كل مرة.

لكن خلاص، أنا كنت أخدت قراري. الساعة 4:17 الفجر، كنت بقفل شنطة سفر واحدة، وبخرج من الشقة اللي عشت فيها خمس سنين من عمري. مخدتش معايا غير هدومي وحاجاتي الضرورية، وسايبة ورايا كل حاجة كنت فاكرة إنها بتعبّر عن حياتي. ركبت عربيتي، وفضلت أسوق لحد ما أضواء القاهرة اختفت ورايا، وبعد ساعات من الطريق، وصلت لمدينة بعيدة محدش يعرفني فيها.

حجزت أوضة في فندق صغير باسم عيلتي قبل الجواز، وكنت فاكرة إن أصعب حاجة هواجهها هي إني أتعلم أعيش من غير آدم. لكن بعد ساعتين من النوم المتقطع، صحيت فجأة وأنا حاسة بغثيان شديد. جريت على الحمام، وفضلت أرجع لحد ما جسمي كله اتعب. في البداية، قلت أكيد ده من التوتر والضغط اللي مريت بيه. لكن فجأة، افتكرت حاجة خلت قلبي يدق بسرعة. ميعاد دورتي الشهرية! كانت متأخرة. ومتأخرة بقالها فترة طويلة.

نزلت من الفندق، واشتريت تلات اختبارات حمل من الصيدلية اللي في الشارع. رجعت الأوضة وقفلت الباب، وإيدي بتترعش وأنا بستنى النتيجة. الأولى طلعت إيجابية. التانية إيجابية. والتالتة كمان إيجابية. فضلت باصة للاختبارات التلاتة وأنا قاعدة على أرض الحمام، مش قادرة أستوعب اللي بيحصل. جوايا طفل! طفل من آدم، الراجل اللي لسه من كام ساعة كنت شايفاه بيخونني بعيني. جوايا حياة جديدة، في الوقت اللي حياتي القديمة كانت بتنهار بالكامل.

حطيت إيدي على بطني، ودموعي نزلت من غير ما أحس. جوازي انتهى. وجوزي خاني. وأنا حامل في طفله! مكنتش عارفة أضحك ولا أعيط، ولا أفرح بالروح الصغيرة اللي بدأت تتكون جوايا، ولا أخاف من المستقبل اللي فجأة بقيت مسؤولة عنه لوحدي. بعد أسبوعين، كنت قاعدة في عيادة دكتورة نسا، في أوضة هادية، والنور الخفيف منعكس على شاشة جهاز السونار اللي جنبها. كنت لوحدي، ومفيش حد ماسك إيدي أو بيطمني.

الدكتورة بدأت الفحص، وأنا بحاول أركز في ملامح وشها عشان أفهم منها أي حاجة. وفجأة، صوت صغير وسريع ملأ الأوضة. دقات قلب! دقات قلب طفلي! عيني اتمَلَت بالدموع في لحظة، وحطيت إيدي على بقي وأنا بسألها بصوت مخنوق: ده… ده البيبي بتاعي؟ ابتسمت الدكتورة وقالت: أيوه يا حبيبتي، ده البيبي بتاعك. ابتسمت وسط دموعي، وحسيت لأول مرة من أيام إن فيه حاجة حلوة لسه مستنياني في الدنيا. لكن فجأة، ابتسامتها اختفت بالتدريج.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
950مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة