تعليم مسؤولية؟! صړخت بصوت عالٍ حتى ارتدت الجدران صدى صوتي. تعليم مسؤولية لطفل يتيم فقد أبوه وأمه في يوم واحد؟ تعليمه إن وجوده في بيت خاله نعمة تُدفع ثمنها بكل ما يملك؟ تعليمه إن كل لقمة يأكلها هي دين يلاحقه طول عمره؟ وأنتِ تعرفين إن أمه كانت عايشة وممنوعة من رؤيته؟ وتقولي لي تعليم مسؤولية؟! سكتت فجأة، وبدأت دموعها تسيل على وجهها، لكنني لم أعد أشعر بأي شفقة تجاهها.
عشر سنين عشر سنين وأنا أدفع من عمري وقلبي لابن أختي، وأظن أنني أكرمه، وأنا في الحقيقة كنت أسمح بابتزازه وتعذيبه تحت سقفي، بيد من كنت أثق بها أكثر من أي شخص آخر. الفصل الثاني ما كشفته الدفاتر والخزائن تقدم المحامي وفتح الملف الذي كان يحمله، وقال سأروي لكم القصة كاملة من البداية، كما عرفتها من سلوى نفسها قبل ۏفاتها، وكما تثبته كل الأوراق والشهادات.
أخذ نفساً عميقاً وبدأ قبل ۏفاة زوج سلوى، كان يملك شركة تجارية كبيرة، وترك لزوجته وابنه ثروة كبيرة، بالإضافة إلى شقة فاخرة في التجمع الخامس، وقطعة أرض في العبور، ووديعة بنكية تقدر بثلاثة ملايين ونصف المليون جنيه. لم يكن أحد يعرف بتفاصيل هذه التركة إلا سلوى وزوجها، لأنها كانت أملاكاً جمعاها بجهد سنوات طويلة، وفضلوا إبقاؤها سراً حتى يكبر ياسين ويتعلم كيف يديرها.
توقف قليلاً، ثم أكمل بصوت حزين بعد ۏفاة زوجها، بدأت المشاكل تظهر. كانت لزوجها شريكة في العمل، وهي السيدة فاطمة زوجة أخيها رضا أي حضرتك التي كانت تعرف بعض المعلومات عن حجم التركة، وبدأت تتقرب من سلوى، وتدعي أنها تريد مساعدتها في ترتيب أوراق الميراث. في تلك الفترة، كانت سلوى تعاني من ضغط نفسي شديد، وكانت تشعر بالوحدة، فلم يكن لديها أحد غير أخيها وأسرته، فثقت بزوجته ثقة عمياء.
نظرت لمراتي فاطمة، التي كانت تنظر للأرض بلا حراك، وكأنها تعترف بكل كلمة تُقال. تابع المحامي في يوم من الأيام، جاءت فاطمة لسلوى وقالت لها إن هناك مشكلة في أوراق الميراث، وأنها تحتاج لتوقيعها على أوراق رسمية لتثبت أنها الوارثة الوحيدة لابنها. وأخذتها لمنزل بعيد في منطقة المرج، وهناك كانت بانتظارها رجلان تعملان مع فاطمة، وحبساها في غرفة صغيرة لا تطل إلا على جدار، ومنعوها من التحدث مع أي أحد، أو الخروج، أو حتى معرفة الوقت.
شعرت بدموعي تسيل بلا توقف، وتخيلت أختي الجميلة القوية، التي كانت تضحك دائماً وتملأ البيت فرحاً، وهي تعيش عشر سنين في غرفة ضيقة، وحدها، لا تعرف لماذا هي هناك، ولا إذا كان ابنها بخير، ولا إذا كان أخيها سيعرف يوماً بمكانها. قال ياسين بصوت هادئ مليء بالألم أنا شعرت بشيء غريب من أول يوم يا خالي.
طنط فاطمة كانت تقول لي ماما سافرت لعلاج في الخارج، وإنها طلبت مني أكون طفلاً جيداً حتى ترضى عني لما ترجع. وبعد فترة بدأت تقول لي إن ماما مش عايزة ترجع، وإنها تفضلني أعيش معاكم، وإنها مش عايزة تتكلم مع حد. وكنت أصدقها في البداية، لكنني كنت أحلم بها كل ليلة، وأحس إنها تناديني، وإنها محتاجة لي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.