وكلما تقدمت التحقيقات، ازدادت أهمية التفاصيل الصغيرة التي استعادوها من حديثها في ذلك الصباح، وفي مقدمتها احتمال لقاء الشاب الذي كانت تعرفه باسم محمد. ألقت الشرطة القبض على الشاب، لكنه واصل إنكار معرفته بما حدث لسالي. كان الوصول إلى الحقيقة يحتاج إلى أدلة تتجاوز أقواله، ولذلك بدأت مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة.
اتسع نطاق العمل حتى بلغت التسجيلات التي فحصتها الشرطة، بحسب الرواية، نحو عشرة آلاف ساعة، بحثا عن مسار الشابة منذ خروجها وحتى انقطاع الاتصال بها. ظهرت في التسجيلات معلومة حاسمة كانت سالي تسير برفقة محمد، ثم دخلت شقته عند الثالثة والنصف عصرا. لم تظهر بعد ذلك وهي تغادر المكان. واجه المحققون المتهم بهذه الصور، فأصبحت روايته الأولى، التي أنكر فيها رؤيتها، متعارضة مع ما وثقته الكاميرات.
كان قد قدم للأسرة إجابة مطمئنة ظاهريا، بينما كانت التسجيلات تكشف لقاء أنكره تماما. عند المواجهة، غير محمد أقواله. حاول تقديم رواية جديدة عن طبيعة علاقته بسالي، وادعى أنها غادرت الشقة لاحقا. لكن مراجعة التسجيلات لم تدعم هذا الادعاء. انضمت إلى ذلك إفادات من الجيران تحدثوا عن سماع أصوات استغاثة لامرأة توقفت فجأة، فأصبح التحقيق يجمع بين الصور المسجلة، وأقوال المحيطين بالمكان، والتناقضات في حديث المتهم.
واستمرت مراجعة الكاميرات القريبة لتحديد تحركاته بعد دخول سالي. تبين أنه خرج من الشقة عند السادسة وتسع دقائق مساء، وعاد عند السابعة وثماني دقائق. ثم بقي داخلها فترة طويلة، حتى العاشرة وست دقائق من صباح اليوم التالي. ساعد هذا التسلسل الزمني على ترتيب الأحداث، وربط ما ظهر خارج الشقة بما كانت التحقيقات تحاول كشفه داخلها.
وفي الصباح، بحسب ما أوردته الرواية، سجلت الكاميرات خروجه وعودته عدة مرات، وانتقاله إلى مواقع متفرقة بعيدة عن الشقة للتخلص من أكياس. أصبحت تلك التحركات جزءا من مسار البحث، وحاولت الجهات المختصة معرفة ما ارتبط بها. لكن مرور الوقت قبل اكتمال إجراءات البحث جعل الوصول إلى ما نقل من تلك المواقع أمرا بالغ الصعوبة. بحسب الرواية، كانت الحاويات قد أفرغت، ونقلت محتوياتها ضمن أعمال جمع المخلفات ومعالجتها.
لذلك، تعذر الوصول إلى جثمان سالي، رغم الجهود المبذولة لتتبع ما جرى. كان هذا الغياب مؤلما للأسرة، كما جعل التحقيق يعتمد على تجميع الأدلة الأخرى، بدلا من انتظار دليل لم يعد العثور عليه ممكنا في المسار الذي تتبعته الجهات المختصة. ومع تعمق التحقيق، بدأت الصورة التي قدمها الشاب عن نفسه تتغير بالكامل. اسمه الحقيقي، وفق ما كشفته التحقيقات، أمجد محسن محمد، وهو عراقي يبلغ نحو الثلاثين، ويحمل شهادة جامعية في العلاج الطبيعي.
كان يتقن خمس لغات، لكن الاسم والعمر والأصل التي عرفته بها سالي لم تكن مطابقة لهويته الحقيقية. كما تبين أنه متزوج في العراق ولديه ثلاثة أطفال. كشفت التحقيقات أيضا عن قضايا مرتبطة بملاحقة فتيات وابتزازهن في تركيا، وعن تجهيز وثائق مزورة بهدف الهرب إلى بلغاريا. وهكذا، لم يعد الأمر متعلقا بتناقض في رواية لقاء واحد، بل بمجموعة من المعلومات التي أخفاها، وصورة مختلفة عن حياته وعلاقاته وتحركاته.
دخلت فرق الأدلة الجنائية الشقة، وأجرت فحوصها رغم محاولات تنظيف المكان وإخفاء آثاره. عثرت على أدلة بيولوجية مرتبطة بالواقعة، إلى جانب حقيبة وجوارب تعود إلى سالي. كانت هذه المتعلقات مهمة لأنها ربطت الشابة بالمكان، وأضافت إلى تسجيلات دخولها عناصر مادية يمكن فحصها ومقارنتها ببقية ما جمعه المحققون خلال البحث. وتناولت الرواية محاولات أمجد الاستفادة من خلفيته الطبية لإخفاء آثار ما حدث داخل الشقة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.