. مفيش حد! لا ابن في حضني، ولا صوت عياط، ولا شعبان، ولا أمه. قعدت أتنفّس بالعافية وأنا بصرخ بصوت مبحوح وطالع من قعر زوري: — شعبان! يا شعبان! فين ابني؟ يا دكتورة يا اللي هنااا! ابني فين؟! الباب اتفتح بلهفة، ودخلت “صباح”، الممرضة بنت الحارة اللي عارفة أهلي. وشها كان أصفر زي الليمونة وعينيها مليانة دموع ورعب، قربت مني ووطت على ودني وهي بتمسك إيدي المرتعشة: — يا وردة.
. اسكيتي يا ختي وجمعي طولك! صرخت فيها وأنا بشد جلابيتي: — ابني فين يا صباح؟! نطقيني قبل ما اطق وأموت! صباح بصت حواليها للخارج ووطت صوتها على الآخر: — حماتك وجوزك خدوا العيل وخلعوا بيه من نص ساعة! قالوا للنبطشية إنك متنازلة عنه برغبتك وإن العيل رايح حضانة خاصة.. بس أنا شفت البلاوي يا وردة! — بلاوي إيه؟ انطقي!
— شفتهم ماسكين صباعك وأنتِ غايبة عن الوعي ومغيبة تماماً تحت البنج، وبصموكي على ورق رسمي وتنازل عن الواد للحاجة أم صابر! والتقرير بتاع الدكتور مكتوب فيه إنك غير قادرة نفسياً وعقلياً على تربيته! الدم في عروقي تحول لشرار. الوجع والجرح والنار اللي في بطني اتنسوا في ثانية، وحلت مكانهم روح ثانية خالص.. روح ست مجنونة بتدافع عن ضناها.
قمت من على السرير والجرح بيشد وينزف، مسكت في الحيطة وأنا بأسناني وبإيد واحدة بسبك هدومي، وكنت ناوية أخرج للشارع أملأ الدنيا صريخ وأجيب الحارة كلها عليهم. وفي اللحظة دي.. الباب اتفتح! دخلت الحاجة أم صابر، لافة العيل في شال ورافعاه على دراعها كأنها كسبت الحرب، ووراها شعبان بيتسحب زي الكلاب الجربانة. بصت لي بابتسامة صفرا مليانة قسوة وشماتة وقالت: — إيه يا روح أمك؟
فقتي من التمثيل بدري ليه؟ مبروك عليا، ومبروك عليكِ ورقة طلاقك اللي هتوصلك على بيت أبويكِ بكرة! الواد ده هيتربى في عز أم صابر، وأنتِ مالكيش مطرح وسطنا خلاص! كنت لسه هجم عليها وأكل وشها بأسسناني، بس الباب اترزع مرة ثانية ورزعة هزت الأوضة. دخل المعلم “رجب” كبير المنطقة، ومعاه رئيس مباحث القسم واثنين أمناء شرطة بالكلابشات!
أم صابر اتلخبطت ورجعت لورا وهي بتصرخ: — إيه ده؟ أنتم مين ودخلتم هنا إزاي؟! الظابط قرب ببرود ورفع إيده: — محدش يتحرك! الحاجة أم صابر وشعبان عبد المطلب.. مطلوب القبض عليكم بتهمة التزوير في محررات رسمية والتلبس بشروع في اختطاف طفل حديث الولادة! شعبان وشه بياض زي الميتين، وأمه صرخت: — كدب! ده حفيييييدي! المعلم رجب اتكلم بصوت جهوري هز الجدران: — كدب إيه يا أم صابر؟
صباح الممرضة اتصلت بيا وبلغت القسم، والكاميرات اللي حاططها صاحب المستوصف بره وجوه سجلت كل حاجة.. سجلت وأنتوا بتبصموها وهي بين حانا ومانا فاقدة الوعي! الظابط شاور للأمناء، وفي ثانية كانت الكلابشات بتدعك في إيدين شعبان وأمه وهي بتصرخ وتلعلع في المستشفى كالمجنونة، والدكتور بيتسحب ومسكوهم كلهم من قفاهم. تقدمت بخطوات ثقيلة، والجرح بياكل في جسمي، بس إيدي كانت قوية زي الحديد. سحبت ابني من بين إيدين أم صابر المرتعشة، وحطيت وشه على صدري.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.