عيادة خاصة للكاتبة نرمين عادل همام

نُشر منذ أسبوع
حفظ
غلاف المقال

عيادة خاصة بقلم الكاتبة نرمين عادل همام المطر كان نازل كأنه سيول على أسطح البيوت في الحارة، وصوت الرعد كان بيرج الشبابيك الخشب المخلعة، بس أنا ما كانش فارق معايا البرد ولا صوت الرعد، كان كل اللي شاغلني ونار قايدة في بطني هو طلق الولادة اللي قطّع مصاريني. كنت في آخر ساعات في الشهر التاسع، بطني قدامي زي الجبل، ونفسي طالع بالعافية، بس كل ما أحس بوجعة، أقول لنفسي “تهون يا وردة.

. كلها كم ساعة وتشيلي ضناكي على إيديكي”. شعبان جوزي كان سايق التوك توك بتاعه بأقصى سرعة في الشوارع المغرقة، بس عينيه ما كانتش عليّ، كان كل شوية يبص في المراية ورجليه بترتعش على البدال. ووراه على الكنبة، كانت قاعدة أمه، الحاجة “أم صابر”، لافة شالها الأسود حولين وشها ومطبقة بوزها، ماسكة سبحتها العاج وبتردد أدعية مش طالعة من قلبها.

بدل ما نطلع على المستشفى الميري اللي جنب الحارة، لقيتها بتصرخ في شعبان: — امشي يا خايب من طريق المستوصف الخاص اللي في آخر العزبة.. الدكتور هناك معرفة وهيسترنا ويخلصنا بدل البهدلة دي. صرخت وأنا ماسكة في كرسي التوك توك من كتر الوجع: — ميري إيه وخاص إيه يا حاجة! أنا بنزف والعيادة الخاصة دي مقطوعة في آخر الدنيا.

. وسمعتها مش ولابد المستشفى العام أقرب! ردت عليّ بنبرة ناشفة زي الزلط، وعينيها بتاكلني: — اكتمي يا وردة وما تسمعيناش صوتك! إحنا أدرى بالمصلحة، ولا فاكرة نفسك أول وحدة تولد في الدنيا؟ ما تدوشناش بنواحك! لما وصلنا المستوصف، المكان كان شبه مهجور، ريحة المطهرات طالعة منه تزكم النفوس، ولا فيه صريخ أطفال ولا حركة.

دكتور العيادة كشف عليّ ببرود، وفي اللحظة اللي كنت فيها بموت من ألم ، شفت الحاجة أم صابر بتتسحب لورا الستارة، وطلعت من جيب جلابيتها الكبيرة رزمة فلوس ملفوفة في أستك، حطتها في إيد الدكتور وهي بتهامسه بصوت واطي بس سمعت حشرجته: — الفلوس اهي كاش وزيادة يا دكتور.. أهم حاجة الإقرار يتوقع والمستندات تطلع باسمي أنا، مش عايزة اسمها يتقال في المولود ده خالص.

عيني زغللت، وبصيت لشعبان اللي كان واقف جنب الباب بيفرك في إيديه كأنه حرامي اتكشف، قلت له بصوت مبحوح ومخنوق: — شعبان.. أمك بتدي الدكتور الفلوس دي ليه دلوقتي؟ وهو إحنا لسه عملنا حاجة؟! شعبان اتلخبط ووشه جاب ألوان، بس أمه نطت في الكلام قبل ما ينطق:— دي حلاوة الدكتور يا عيني عشان يديكي البنج العالي وما تحسيش بحاجة.. ولا عايزانا نسيب الراجل بلاش؟ دخلوني أوضة العمليات، والبنج الابتدى يسري في جسمي زي التلج المسموم.

كنت حاسة بجسمي بيموت ويتقل، بس عقلي كان لسه صاحي لثواني معدودة. سمعت شعبان بيقرب من راسي ويهمس للدكتور وهو مرعوب: — يا دكتور.. هي كدة مش هتحس بحاجة خالص؟ يعني لما نبصمها على أوراق التنازل مش هتفوق؟ رد الدكتور بنبرة خبيثة وهو بيجهز المشرط: — متقلقش يا شعبان.. الجرعة مظبوطة بالملي، هتبصم وتوقع وهي بين السما والأرض، ومحدش هيقدر يثبت إنها ما كانتش بكامل وعيها، والواد هيتسجل بالاسم ال عيزينه !

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
950مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة