ج1 حق زينب للـ الكاتبة نرمين عادل همام

نُشر منذ أسبوعين
حفظ
غلاف المقال

أول فاتورة جات كانت الكهربا. اترمت في الصندوق. بعدها المية. اترمت جنبها. الفواتير اتكومت وسط إعلانات السوبر ماركت، لحد ما في يوم، وصلت ورقة لونها مختلف. ورقة ما ينفعش تتجاهل. إخطار: فصل الخدمة لعدم السداد. أخدت الورقة وحطيتها في نص ترابيزة السفرة بالظبط. الساعة كانت سبعة وربع بالليل لما باب الشقة اتفتح. سمعت صوت خطواته، وبعدها بثلاث دقايق بالظبط، صوته جاب آخر البيت: “أمي!” طلعت من أوضتي بخطوات بطيئة.

كان واقف ماسك الورقة الحمرا وإيده بتترعش من العصبية، وداليا وراه ملامحها مخطوفة. زعق فيا: “إيه ده؟ إنتِ ما بتفتحيش البوسطة؟ الفاتورة دي ما اتدفعتش ليه؟” بصيت له بمنتهى البرود وقولت: “عشان إنت قولت إنها كهربتك وميتك، وإنك مش هتدفعلي حاجة.” وشه جاب ألوان، وقال بتلعثم: “يعني إيه؟ ما هو أنا بديكي مصروف البيت! إنتِ بتاخدي الفلوس توديها فين؟

” داليا اتدخلت بنبرة اتهام: “أيوة يا ماما، كريم بيديكي تلات آلاف جنيه كل شهر، ده مبلغ مش قليل!” ابتسمت بسخرية: “تلات آلاف جنيه؟” دخلت أوضتي، وطلعت ملف بلاستيك تقيل كنت مجهزاه. رميته قدامهم على السفرة وقولتله: “افتح ده.” فتح الملف. عينه بدأت تبرق وهو بيقلب في الورق. فواتير كهربا بمبالغ معدية، مية، غاز، إنترنت، ضريبة عقار، صيانة دورية للبيت.

إيصالات دفع من حسابي أنا، مختومة شهر بشهر، سنة ورا سنة، من يوم ما أبوه مات. صوته طلع مخنوق، كأن حد دلق عليه ماية ساقعة: “إيه ده؟ إنتِ… إنتِ اللي كنتِ بتدفعي كل ده؟” قولتله وأنا باصة في عينه مباشرة: “من قبل ما تيجي تعيش هنا، ومن بعد ما جيت. التلات آلاف جنيه بتوعك كانوا يادوب بيكفوا أكلكم وشربكم اللي بتختاروه على مزاجكم.

أنا اللي كنت شايلاكم، مش العكس.” داليا حاولت تتكلم، صوتها كان بيرتعش: “بس.. بس إحنا كنا فاكرين إن…” قاطعتها بحسم: “أنا عارفة إنتوا كنتوا فاكرين إيه. كنتوا فاكرين إنكم أصحاب الفضل، وإني حتة عفش قديم في البيت سايبينه شفقة.” وفجأة، قبل ما حد فيهم ينطق بكلمة تانية، سمعنا صوت عربية نقل وقفت تحت البيت.

داليا جريت على البلكونة وشهقت: “كريم.. دي عربية طوارئ الكهربا!” وش كريم بهت تمامًا. جرى على باب الشقة وفتحه. كان في فنيين واقفين قدام العداد الخارجي، واحد منهم معاه بنسة والتاني بيبص في كشف. كريم صرخ فيهم: “استنوا! بتعملوا إيه؟ أنا هدفع دلوقتي حالا، هدفع الغرامة وكل حاجة، بس ادوني فرصة!

” الفني بص في الورق اللي معاه ببرود وقال: “الخدمة متسجلة باسم الحاجة زينب عبد الرحيم، وفي أمر فصل نزل خلاص، الدفع بقى في الشركة الصبح يا أستاذ.” كريم بص لي، ولأول مرة من خمس سنين، ما شوفتش في عينه النظرة المتعالية بتاعت “راجل البيت”. شوفت كسرة، وخوف، وإحراج. عينه كانت بتترجاني: “أمي.. خليهم يستنوا.. إنتِ صاحبة الشأن، كلميهم.

”وداليا وقفت وراه تفرك في إيديها وتقول بصوت واطي: “عشان خاطري يا ماما.” في اللحظة دي، شريط طويل عدى قدام عيني. الملايات المبلولة اللي قطمت ضهري. أوضتي الكبيرة اللي اطردت منها. صورتي أنا وحسن اللي اتشالت من على الحيطة. وكلمته اللي دبحني بيها: “أنا مش هدفع كهربا عشان غسيلك.” بصيت للفني، وقولت بصوت واثق، هادي، وقاطع: “شوف شغلك يا ابني.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
950مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة