” سكتّ. لميت هدومي ونقلت للأوضة الصغيرة. أقنعت نفسي إن ده ابني، ولما أتنازل عشان راحته يبقى ده حب، وإن دوري كأم إني أريحه. وقتها برضه، قررت أعمل حاجة ترفع راسه قدام مراته. كريم كان بيديني تلات آلاف جنيه كل شهر ويقولي “دول مصروف البيت يا أمي”. كنت باخدهم منه وأنا عارفة إنهم ما يفتحوش بيت بالحجم ده، فعملت استقطاع تلقائي من حسابي في البنك —اللي فيه معاشي وتحويشة عمري أنا وحسن— عشان يسدد كل فواتير البيت: الكهربا، المية، الغاز، الإنترنت، وحتى ضريبة العقار والتأمين.
خليته يعيش دور “راجل البيت اللي شايل الليلة كلها”، عشان يحس برجولته ومراته تحترمه. لكن الصبح ده، والملايات المبلولة بتقطم ضهري، اكتشفت إن تضحيتي خلقت منه إنسان مغرور، بيعاملني كأني ضيفة تقيلة بيعطف عليها بفلوسه. دخلت أوضتي، حطيت الجردل، وقعدت قدام اللابتوب القديم بتاعي. سمعت داليا من بره بتقول له: “لازم تحط لها حدود أكتر من كده يا كريم، لو سيبتها براحتها عمرها ما هتستوعب إننا اللي بندفع دم قلبنا.
” حسيت ببرودة غريبة بتسري في عروقي. مش زعل، ولا قهرة، ولا حتى غضب.. كان هدوء ويقين. فتحت حسابي البنكي. بصيت على قايمة المدفوعات اللي بتتسحب كل شهر في صمت من غير ما البيه يحس. التكييف اللي بينام تحته، التلاجة الكبيرة اللي داليا بتتباهى بيها، الإنترنت اللي بتشتغل عليه. كله من شقا حسن. كلامه رن في ودني تاني: “أنا مش هفضل أدفع فواتير مية وكهربا بالشيء الفلاني”. ودوست على زرار واحد: إلغاء الدفع التلقائي. وقفت الكهربا.
وبعدها المية. والإنترنت. وكل خدمة كنت بشيلها من على كتافه. قفلت اللابتوب، وفي نفس اللحظة سمعت صوت موتور عربيته بيدور. خرجوا من البيت وهما نافشين ريشهم، فاكرين إنهم أخيرًا عرفوني مقامي. ما كانوش يعرفوا إنهم في نفس اللحظة دي، فقدوا كل حاجة، وإن الأيام اللي جاية هتعرّفهم مين صاحب البيت الحقيقي. ما اكتفيتش بإلغاء الدفع من على النت. تاني يوم الصبح، لبست عبايتي ونزلت بنفسي شركة الكهربا والمية.
كنت عايزة أقطع أي شك، وأخلي كل الفواتير والإنذارات تيجي ورقية على عنوان البيت، في صندوق البوسطة اللي كريم عمره ما بيبص فيه. الموظف سألني للتأكيد، فهزيت راسي وقولتله: “أيوة يا ابني، وقف الخصم المباشر، وابعتوا المطالبات على البيت.” رجعت البيت وقعدت أتفرج. كريم كان بيتعامل مع الكهربا والمية كأنها هبة من السما. يدوس على الكبس النور ينور، يفتح الحنفية المية تنزل.
عدى أسبوع، واتنين. كان بيغسل عربيته بخرطوم المية بالساعة، وداليا بتشغل الغسالة على بلوزتين بس، والتكييف شغال ليل نهار حتى والجو طراوة. يوم الجمعة، كريم عزم شلة من أصحابه. كنت قاعدة في أوضتي سامعة ضحكهم العالي. واحد منهم قال له: “يا عم براحة على نفسك، البيت ده مصاريفه شكلها نار، تكييفات مركزية وإضاءة إيه وحركات.” كريم رد بصوت عالي متعمد عشان أسمعه: “هعمل إيه بس يا سيدي؟
البيت كله ومصاريف أمي على كتافي. بس أهو واجبنا، الست كبرت ومبقاش ليها حد، ولو أنا ما مسكتش زمام الأمور ودفعت الفواتير، دي ممكن تضيع قرشينها في أي كلام فاضي.” ضحكوا كلهم. بصيت لصورة حسن اللي جنبي.. لو كنت سمعت الكلام ده من شهر، كنت بكيت لحد ما عيني تعمى. بس المرة دي، ابتسمت ابتسامة باردة واستنيت. أول فاتورة جات كانت الكهربا.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.