قناع الأمومة ج ٣ حكـايات مني السيد حصري

نُشر منذ أسبوعين
حفظ
غلاف المقال

ت اللي خيم على القاعة في أول ثانيتين كان مرعب، من النوع اللي يخليك تسمع صوت إبرة لو وقعت على السجاد الفاخر بتاع فندق الماسة. وبعدها، كأن قنبلة اڼفجرت فجأة في المكان كله! الفلاشات بدأت ټضرب پجنون هستيري، صوت عدسات الكاميرات بتلف وتكَبّر على الشاشات العملاقة، والهمهمات بين المستثمرين الخليجيين ورجال الأعمال بدأت تعلى وتتحول لصرخات استنكار وذهول.

الشاشات كانت بتعرض بتقنية فائقة الوضوح صورة تقرير الطب الشرعي لعم محروس وزمايله، وتحته العقد السري الموقع بخط إيد ميرفت وختمها بتوريد أسمنت وحديد غير مطابقين للمواصفات بفارق أربعين مليون جنيه، وجنبهم الورقة الصفراء القديمة بتاعة بيع أرض وشقة بابا في التسعينات! ميرفت كانت واقفة على المنصة، البدلة البيضا اللي كانت لابساها بقت كأنها كفن.

وشها الأبيض اتحول للون الرماد، شفايفها كانت بتترعش ومش قادرة تطلع حرف، عينيها عمالة تروح بين الشاشات العملاقة وبين عيون مئات الصحفيين اللي اتسمروا قدامها. شريف جرى من جنب المنصة زي المچنون، وشه جايب ألوان وصړخ في مهندس الصوت والإضاءة اقفلوا الزفت ده فورًا! اقطعوا الباور! اقطعوا البث يا بهايم! لكن مصطفى كان مقفل السيستم تمامًا، محاوطه بجدار حماية مش ممكن يتفك إلا لو شالوا كابلات الكهرباء العمومية للمبنى كله.

الكاميرات بتاعة القنوات الفضائية كانت بتبث الحدث على الهواء مباشرة لكل البيوت المصرية والعربية، ومفيش مخرج تليفزيوني في الكون كان هيفوت لقطة القرن دي. قربت من المايك أكتر، وصوتي كان طالع هادي، تقيل، وفيه حزن مخلوط بقوة عمري ما حسيت بيها في حياتي. بصيت لميرفت وقولت في المايك الست اللي واقفة ورايا دي، سيدة الأعمال العصامية النموذجية، ميرفت الجوهري.

.. هي فعلاً أمي البيولوجية. الست اللي حملت فيا وولدتني. بس من تمانية وعشرين سنة، رمتني وأنا لسه حتة لحمة حمرا مكملتش سنتين... مش عشان كانت غلبانة ولا عشان أهلي طردوها بالسلاح زي ما مسرحيتها بتقول... لأ، رمتني عشان كانت بتعتبرني حمل هيعطلها عن جمع القرش وتكوين الثروة. القاعة كلها اتجمدت من تاني، والناس كانت بتسمع كل كلمة بتخرج من شفايفي بتركيز يشيب.

كملت وأنا بشاور على الشاشة سړقت شقى أبويا، الموظف البسيط الشريف اللي وثق فيها واداها توكيل، باعت أرضه وشقته ورمته يصارع المړض والديون لوحده، وخدت الفلوس عشان تفرش بيها أول خطوة في بيزنس المليارات بتاعها. وعاشت حياتها كلها بتبني في القمة دي... قمة مبنية على الغش، وعلى السړقة، وعلى التزوير. الټفت لميرفت، اللي كانت ساندة بإيدها المرتعشة على حافة المنصة عشان متقعش، وبصيت في عينيها وقولت ولمّا حسيتي إن القمة دي بتتهز.

.. لما ماټ تلات عمال شقيانين في مشروعك بسبب طمعك وجشعك في توفير خامات الأمان... لما استرخصتي أرواح الغلابة عشان تكسبي أربعين مليون زيادة... افتكرتيني! افتكرتي بنتك اللي رمتيها من تلاتين سنة، مش عشان حضنك وحشك، ولا عشان ضميرك فاق... لأ، عشان تجيبيني أقف هنا قدام الكاميرات دي، وأكون الدرع البشري اللي يغسل وساخة جرايمك، ويخلي الناس تقول يا سلام على الأم الطيبة اللي جمعتها الأقدار ببنتها!

شريف طلع على المنصة بيحاول يشد المايك من إيدي پعنف وهو بيهمس بغل هاتي المايك ده وانزلي، إنتي شكلك اټجننتي وهتضيعي نفسك والشركة! لكن قبل ما إيده تلمس المايك، لقيت أحمد أخويا طالع المنصة بسرعة، وزق شريف بقوة رجعته خطوتين لورا، ووقف قدامي زي الجبل وهو باصص لشريف وللأمن اللي كان بيحاول يقرب.

ومن آخر القاعة، انفتحت الأبواب ودخلت زوجة عم محروس، ست مصرية بسيطة لابسة د وطرحة سودا، ماسكة في إيدها صورة جوزها المټوفي، ووراها باقي أهالي العمال والشباب اللي اتصابوا. الست صړخت بصوت يقطع القلب شق سكون القاعة حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا ميرفت يا جوهري! جوزي ماټ تحت التراب وانتي حبستي عيالي بإيصالات أمانة مزورة عشان منطلبش بحق دمه! ربنا ينتقم منك دنيا وآخرة! المشهد اتحول لكابوس حقيقي لميرفت.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
949مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة