خطيبى حكايات رومانى مكرم 3

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

مرت الأيام وسار كل شيء كما خططت له العائلتان. جاء يوم الشراء الأخير لمستلزمات الفرح، وكانت مريم برفقة طارق في أحد أكبر المراكز التجارية. كانت تمشي بجانبه متأنقة، تلبس ثوباً أسود رائع التصميم يبرز نضارة بشرتها التي باتت تلمع كاللؤلؤ، وقوامها الرياضي المتناسق الذي حافظت عليه بقوة وإرادة.

كانت ابتسامتها الدافئة لا تفارق وجهها، بينما كان طارق ينظر إليها بعيون تطفح بالحب والدلال، يشتري لها كل ما تتطلع إليه عينها قبل أن تنطق به. وفي لحظة قدرية، كان حازم قد خرج من عزلته بضغط من أمه التي توسلت إليه أن ينزل للشارع ليشتري بعض الأدوية لوالده المريض.

تصادف وجوده في نفس المركز التجاري بالصدفة، كان يسير منكس الرأس، يجر قدميه جراً، بثياب رثة ووجه شاحب ملأته اللحية المهملة والهالات السوداء. وفجأة، رفعت عينيه المجهدتان لتستقرا على مشهد أعاد شريط عذابه بأكمله. على بعد خطوات قليلة، كانت مريم تقف أمام أحد محلات المجوهرات الراعية، وتضع يدها في يد طارق، يضحكان بحب بينما يضع طارق في أصبعها خاتماً مرصعاً بالألماس، ثم يمسك يدها ويقبلها بامتنان أمام الجميع.

كانت مريم تتألق كأنها نجمة هبطت من السماء، أنوثتها حارقة وجمالها يسترعي انتباه كل من في المكان. وقف حازم مشلول الحركة. اختفت الأصوات من حوله، وتوقفت الزمان عن الدوران. كان ينظر إلى المرأة التي صرخ في وجهها يوماً: "انتي مش جذابة نهائي وتخينة!

"، يراها الآن ساحرة للعيون، يلتفت إليها الرجال بإعجاب ويحترمها الجميع، بينما هي لا ترى في الكون سوى الرجل الذي قدرها وصانها. حاول حازم أن يتراجع للخلف ليداري هيئته المزرية، لكن مريم -وهي تتلفت بابتسامة- وقعت عينها عليه بالصدفة. توقفت مريم عن الضحك لثانية واحدة.

لم تفزع، لم يتغير لون وجهها، ولم ترتبك. نظرت إليه مباشرة من بعيد.. نظرة طالعت فيها شبحه الشاحب وهيئته المكسورة، لكن لم تكن في عينها أي قطرة انتقام أو تشفي، بل كانت نظرة تجاوز تام، نظرة إنسان ينظر إلى غريب لا يعني له شيئاً في هذه الحياة.

ثم أدارت وجهها بهدوء، ومسكت ذراع طارق وواصلت حديثها وضحكها معه وكأن حازم لم يكن موجوداً من الأصل. كانت هذه اللحظة أشد قسوة على حازم من كل المواجهات السابقة. أدرك أن الانتقام الحقيقي لم يكن بالصراخ أو الشجار، بل كان بالوصول إلى مرحلة "اللاشيء".

مريم لم تعد بحاجة حتى لأن تكرهه؛ لقد أخرجته من كتاب حياتها تماماً، وطوت الصفحة بأقفال من الماس والكرامة. خرج حازم من المركز التجاري يركض في الشارع كالذبيح، وصوت زغاريد المهنئين في المحل يرن في أذنيه.
انهار على الرصيف في منتصف الشارع، يغطي وجهه بيديه وينحب بصوت مكتوم، بينما كانت مريم تكمل تسوقها بابتسامة ناعمة، متأهبة لليوم الذي ستزف فيه عروساً للرجل الذي عرف كيف يصون المضمون قبل أن يبهره الشكل.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
950مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة