سقطت دموع حازم على عتبة الشقة، ولم يستطع السيطرة على نوبة بكاء خفية حبسها في صدره حتى كادت أضلعه تتكسر. التفت ليرحل قبل أن يراه أحد، لكن قدمه اصطدمت بدلو طلاء فارغ كان بجوار الباب، ليرن الصوت بقوة في الممر.
خرج طارق فوراً ليستكشف الأمر، ليجد حازم واقفاً في الممر، انحنت كتفاه، وتدهورت هيئته، وعيناه المحمرتان تنظران إلى الشقة بنشيج مكسور. خرجت مريم خلف طارق، وعندما رأت حازم تقف في الممر بهذه الحالة المزرية، لم تفزع ولم تغضب.بل وقفت بجوار طارق بكل شموخها وأناقتها، ونظرت إلى حازم بنظرة حزن خفيفة.
. ليس حزناً عليه، بل حزناً على إنسان دمر حياته بنفسه بجهله واستعلائه الفارغ. قال طارق بصلابة ورجولة:"أستاذ حازم؟ إنت بتعمل إيه هنا؟ وليه بتلاحق خطيبتي من مكان لمكان؟
"تعلثم حازم، ونظر إلى مريم بعيون توسل وندم يمزق الصدر، وقال بصوت حشرجي خافت:"مريم.. أنا بس... أنا كنت عايز أطمن عليكِ.. أنا مش قادر أعيش، النار بتاكل في صدري كل يوم.. سامحيني يا مريم، قوليلي إنك مسامحاني عشان أقدر أتنفس!"نظرت مريم إلى وجهه المجهد وعينيه الباكيتين، ثم تمسكت بذراع طارق بثقة وثبات، وقالت بصوت هادئ ورزين، صوت أصدر الحكم النهائي والأخير الذي لا رجعة فيه:"المسامحة دي للي بيغلط وهو جاهل يا حازم.
. مش للي بيتلذذ بإهانة الإنسانة اللي شقت عشان تبني معاه بيت.
أنا ما بقتش أكرهك، لأن الكره معناه إنك لسه تشغل جزء من تفكيري.. إنت بالنسبة لي بقيت صفر على شمال الحياة. طريقي مع طارق بدأ، وطريقك إنت اخترته بإيدك يوم ما رميت الكلمة المسمومة وقفت السكة في وشي.
"ثم التفتت إلى طارق بابتسامة دافئة وقالت:"يلا يا طارق ندخل الشقة ونقفل الباب.. عشان الهوا بره بقى بارد ومغبر."أمسك طارق يدها ودخلا إلى الشقة، وأغلق الباب الثقيل بقوة وهدوء في وجه حازم. وقف حازم في الممر المظلم، يصغي لصوت المفتاح وهو يدور في القفل، كأنه قفل أُغلق على قلبه وأمله إلى الأبد.
نزل درجات السلم وهو يتهاوى، يمسح دموعه بأكمامه، يحمل في صدره غصة الندم الأبدي، متيقناً أن مريم أصبحت نجماً في السماء، أبعد من أن تطولها يداه الملوثتان بالقسوة والخفران. ساد الصمت الثقيل في الممر المظلم بعدما انغلق باب الشقة بثبات، بينما كان حازم يتهاوى على الدرج كمن سُلبت منه الحياة.
نزل خطواته يتعثر في كل درجة، يرى الدنيا من حوله ضباباً مغبشاً بالدموع. خرج إلى الشارع والبرد ينهك جسده النحيل، فلم يعد يرتدي سوى قميص مجعد أهمله منذ أيام. جلس في سيارته ووضع رأسه على عجلة القيادة، وانفجر في بكاء هستيري طال انتظاره، بكاء رجل أدرك أنه لم يخسر مريم الفتاة فقط، بل خسر نعمته، وسند يومه، وفرصته الوحيدة في أن يكون إنساناً حقيقياً.
على مدار الأسابيع التالية، تحول حازم إلى أثر بعد عين. ترك مقهى الشارع، وأغلق هاتفه، وصار حبيس غرفته المظلمة في بيت والدته. كانت أمه تدخل عليه الصينية بالوجبات لتعود بها كما هي، تبكي على حال ولدها الذي انكسر عوده وأصبح يتحدث مع نفسه في الليل، يردد باستمرار: "كانت باينة فالضوء.
. أنا اللي قرفت منها.. أنا اللي ذبحتها وهي مريضة!" كان الندم يقرض عقله كالسوس، وكلما حاول أن ينام، تمثلت له صورة مريم بأناقتها الذهبية وبريق عينيها الصافيتين، تنظر إليه بحسرة واستخفاف وتترك خلفها عبق عطرها الراقي ليتنسم هو غبار الحسرة. وفي المقابل، كانت مريم تخطو نحو مستقبله بخطوات ثابتة ومستقرة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.