خطا إبراهيم خطوة نحوي، وعيناه ممتلئتان بشرار لم أره فيه من قبل. مسكني من معصمي بقوة جعلت عظامي تتطاحن: — أنتِ الكلام ده صح؟ كنتِ بتاخدي الفلوس وتديهالوا عشان يداري عليكِ؟ ولا كنتِ هتهربي بجد؟ — اسمعني يا إبراهيم عشان خاطر ربنا! — بكيت وأنا أحاول النظر في عينيه مباشرة — اتصل بشركة العقارات، اتصل بالصاحب العمارة، أنا محافظة على الفلوس بالقرش! حسن كداب، وأمك بتغطيه عشان خايفة عليه من الحبس!
فتش الشقة، شوف لو في شنطة هدوم متجهزة زي ما بيقولوا! ادخل الشقة وشوف بعينك! تردد إبراهيم للحظة، كلامي المنطقي صدم عقله. لكن حماتي لم تترك له مساحة للتفكير، فقامت بدفعه بيديها وعلا صوتها بالصراخ:— بقى بتصدق الغريبة وتكذب أمك وأخوك اللي من دمك؟ اقطع عرق وسيح دمه يا إبراهيم لو الشغالة دي هتطلعنا كدابين! ادخل الشقة وشوف الهدوم اللي كانت حاطاها في الكيس الأسود جنة الدولاب!
سحبني إبراهيم بقسوة لداخل الشقة، وحسن وأمه دخلا خلفنا كأنهم ملكوا المكان. كان بيتي الذي بنيته بعرقي ونظافتي يبدو غريبًا ومستباحًا. اتجه إبراهيم رأساً نحو غرفة النوم، وفتحت حماتي الدولاب بنفسها، وأشارت إلى كيس بلاستيكي أسود كبير ملقى على الأرض في زاوية الغرفة. — أهو! — صاح حسن بحدة — أهو الكيس اللي كانت بتلم فيه الذهب والهدوم! نظرت للكيس بذهول، لم يكن هذا الكيس موجودًا حين كنت بالداخل!
لقد أدخله حسن أو أمه أثناء هجومهما عليّ وشغلي بالصراخ والطرد! صرخت بأعلى صوتي: — الكيس ده مش بتاعي! هم اللي جابوه معاهم! فتشه يا إبراهيم، شوف فيه إيه! فتح إبراهيم الكيس بآيادٍ ترتجف غضبًا، فوجد فيه بعض ملاءات السر,,ـــــير وقطع ملابس داخلية خاصة بي، ومصاغي الذهبي القليل الذي أمتلكه! ساد صمت قاتل في الغرفة. كان الذهبي وملابسي داخل الكيس الأسود دليل إدانة صامت تم زرعه بدقة شيطانية. نظر إليّ إبراهيم بنظرة انكسار وخيانة لم أتحملها.
تراجعت ركبتي وسقطت على الأرض. — الذهب بتاعي في الكيس… — زمجر إبراهيم بصوت منخفض كالرعد — طالعة بذهبي والفلوس؟ هربانة فين يا شيماء؟ ومع مين؟ صاحت حماتي فورًا: تقدم حسن، ووضع يده على كتف إبراهيم بتمثيل للأسف: — يا إبراهيم، الحمد لله إن الفلوس ورجعت، والذهب ورجع. أحمد ربنا إننا لحقنا عرضك وفلوسك قبل ما تنفضح في المنطقة. البت دي ملهاش أمان، أرمي عليها اليمين واخلص منها!
كان إبراهيم يتنفس بصوت عالٍ، الد. ماء محبو. سة في وجهه، ونظراته تنقلت بين أمه الباكية تدعي الشرف، وأخيه المخلص المزعوم، وبين زوجته الملقاة على الأرض تبكي وتترجاه. رفع إبراهيم يده وأشار نحو الباب بصوت جا. مد، م. يت، خالي من أي رحمة: — قومي… — إبراهيم.. اسمعني عشان خاطر ربنا.. — توسلت وأنا أتمسك ببنطاله. نفضني بحدة وقسوة جعلت رأسي بحافة الكومودينو: — يا إبراهيم مظلومة!
والله مظلومة! — أردفت بدموع تعمي بصري. سحبني إبراهيم من ذراعي بقوة لا ترحم، يجرني على الأرض وأنا أعافر، وحماتي تبتسم بخبث في الخفاء وهي تنظر لحسن الذي كان يغمز لها بعينه. جررني عبر الصالة وطرحني خارج الباب في البسطة الخاصة بالسلم، وألقى خلفي بطرحتي وحذائي الخفيف. أغلق الباب بقوة زلزلت أركاني، وسمعت صوت الكالون يُغلق بضر. بتين متتاليتين.
بقيت ملقاة على درجات السلم السفلية، الصوت متوقف في حلقي، وجسدي يرتعش من البرد والذهول والألم الإنساني الكامل. لقد جُردت من كل شيء في أقل من نصف ساعة: شرفي، أمانتي، بيتي، زوجي، وكرامتي. ارتديت الطرحة بآيادٍ مرتعشة ولبست حذائي، ونسيت حتى ألم الجرح البسيط في رأسي. لم يكن معي هاتف، ولا جنيه واحد، ولا كلمة شفيعة. نزلت السلم بخطوات ثقيلة كأنني أجر سلاسل من حديد.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.