رجلي كانت تقيلة كأنها مربوطة بسلاسل حديد، وأنا ماشي في اتجاه قسم الشرطة عشان أسلم نفسي، لأن الهرب مش هيفيد، ومفيش مكان أستخبى فيه ولا قرش في جيبي أدفع بيه أجرة تاكسي. طول الطريق وأنا ماشي على رجلي، شريط حياتي كان بيمر قدام عيني. افتكرت لما كانت بتمسح وتطبخ وتخدم، وأنا بقعد بكل برود أراقبها وأتمنى كسرتها. افتكرت لما كانت بتقولي “القرشين دول شايلهم للزمن”، وأنا أرد بقسوة.
اكتشفت إنها كانت أذكى مني بألف مرة، ردتلي الصاع صاعين، وأخدت حقها وتارها، وسابتني لا طالت عروسة جديدة، ولا حافظت على بيتي، ولا حتى ملكت حريتي. وصلت باب القسم، الوقفة قدام اللوحة الرخام السوداء كانت بتمــ,,ـــــوتني في اليوم ألف مرة. أخدت نفس عميق ودخلت، وسلمت نفسي للأمين اللي على الباب.
وبعد ساعات من التحقيق، انقفل الباب الصاج المصدّي عليا وعلى المساجين، ولقيت نفسي قاعد في زاوية ضيقة على الأرض الباردة، وسط ريحة المكان والظلــ,,ـــــمة. قعدت أحــ,,ـــــضن رجلي لصدـ,,ـــري وأبكي بحــ,,ـــــرقة.. دموع ندم ملهوش أي قيمة دلوقتي. وفي وسط الظلــ,,ـــــمة دي، سمعت صوت العسكري ينادي من وراء القضبان بصوت عالي: “المتهم فلان.. اطلع، في زيارة مستنياك برة!
” رفعت رأسي بذهول.. مين ممكن يجيلي في وقت زي ده؟ أمي اللي حيلتها مكسورة؟ ولا المحامي؟ ولا في صدمة جديدة مستناني برة؟ قمت من على الأرض الباردة بالعافية، رجليا كانت بتخبط في بعضها. مشيت ورا العسكري وأنا عقلي بينبض بالأسئلة.. مين اللي ممكن يفتكرني أو يجيلي في القاع ده؟ طلعت لغرفة الزيارات الضيقة. وقفت ورا السلك المشبك الضيق، ولما عيني وقعت على اللي واقفة الناحية الثانية، حسيت بضــ,,ـــــربة في قلبي طيرت النفس من صدـ,,ـــري.
كانت هي.. مراتي! كانت واقفة بكل أناقتها، لابسة أسود، حاطة إيد في جيب جاكيتتها، وإيدها الثانية ماسكة نظارتها. ملامحها كانت هادية جداً، مفيش فيها أي أثر للغضب ولا حتى الانتقام.. كان في عيونها شيء أصعب بكثير: نظرة “لا مبالاة”. نظرة كأنها بتبص لشيء ملوش أي قيمة ولا يعنيلها أي حاجة في الدنيا. مسكت السلك بإيديا الاثنين وناديت بصوت مخنوق ودموعي نازلة مغرقة وشي: “أنتِ؟ جيتي ليه يا بنت الناس؟ جيتي تشمتي فيا؟
جيتي تشوفيني وأنا في السجــ,,ـــــن بعد ما أخدتي كل حاجة ودمرتيني؟” قربت خطوات من السلك، وبصت لإيديا المتكلبشة بنظرة باردة وقالت بصوت هادي: “أنا ما أخدتش حاجة مش بتاعتي.. أنا أخدت حقي وحق كرامتي اللي حاولت تدوس عليها، وحق تعب السنين اللي ضيعته وأنت قاعد تتفرج عليا وتخطط إزاي تظلــ,,ـــــمني عشان تتجوز غيري.” سكتت لحظة، ونزلت نظارتها على عيونها وقالت: “أنا مش جاية أعدل عليك ولا أشمت.
. الشماتة دي للصغار، وأنا أكبر بكثير من إني أضيع دقيقة من عمري أشمات في شخص دمر نفسه بنفسه. أنا جاية أرفع عنك الحرج وأحط النقط على الحروف.” طلعت من شنطتها ورقة وقلم ورصتهم على الطاولة الفاصلة بيننا: “دي تنازلات رسمية.. إقرار منك بإبرائي من كل مستحقاتك، وتنازل عن أي دعاوى أو بلاغات ممكن تفكر ترفعها، وموافقات كتابية على الطلاق والإبراء التام. توقع هنا.. ودلوقتي.” صرخت بصوت مكتوم: “أتوقع؟! أتوقع على إيه؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.