.. الرقم الأرضي اللي كريم لسه قايل إنه مقطوع وممنوعين يكلموا حد منه!صوت رنة التليفون في اللحظة دي كان زي صفارة إنذار ضربت في نص هدوء مشحون. طلعت الموبايل من شنطتي وإيدي بتترعش، وبصيت للشاشة. كان اسم "بيت بابا حسين" منور وواضح، رقم الخط الأرضي اللي كريم لسه قايل بملء فمه إن الناس دي قطعوه وحاصروا البيت وسحبوا كل وسائل الاتصال.
شريف اتصلب مكانه، صباعه اللي كان نازل على زرار التحويل في التطبيق وقف في الهوا، ونزل عينه من شاشة موبايله وبص لموبايلي بذهول.
كريم اتخطف لونه، شفايفه نشفت فجأة، وبص للراجل أبو بدلة رمادية بنظرة سريعة كلها رعب مش مفهوم، وبعدين مد إيده بسرعة جنونية وحاول يخطف الموبايل من إيدي وهو بيصرخ:— متفتحيش يا ندى! دول هما اللي بيتصلوا من هناك، بيضغطوا علينا وبيراقبونا!لكن شريف كان أسرع منه؛ مسك دراع كريم ولواه لورا بقوة خلته يصرخ من الألم، وزقه بعيد لدرجة إنه اتكفى على الترابيزة ووقع كوبايات القهوة على الأرض.
شريف بصلي بصوت قاطع ومزلزل:— افتحي يا ندى... افتحي السبيكر فوراً!الراجل اللي لابس بدلة رمادية خطى خطوة سريعة لقدام، وشه اتغير وبانت عليه علامات توتر حقيقية لأول مرة، ومد إيده في جيبه كأنه بيطلع حاجة وهو بيقول بنبرة آمرة:— بلاش غباء وحركات عيال... مكالمة ملهاش لازمة، المبلغ لازم يتبعت حالاً وإلا كل حاجة هتفرقع فوق دماغكم!
أنا ما استنيتش، دوست على زرار الرد وفتحت المايك بصوت عالي، والصالة كلها هديت في ثانية واحدة عشان تسمع الصوت اللي هيطلع. جه صوت من السماعة... بس ما كانش صوت تهديد ولا صوت بلطجية. كان صوت حماتي، هادي، وطبيعي، وفيه رنة فرحة وبساطة عادية جداً:— ألو... إيه يا ندى يا بنتي؟ قلقتيني عليكم، بتصل بشريف من بدري تليفونه مقفول أو مشغول.
إنتوا لسه ما وصلتوش المطار عشان تودعوا كريم ومنى؟ ده عمك حسين نازل مخصوص دلوقتي من فوق وجايب معاه صينية البسبوسة اللي كريم بيحبها عشان يلحق يديهاله قبل ما يركب الطيارة!الكلمات نزلت في الصالة زي صاعقة كهربا حرقت كل حاجة.
أنا بقيت باصة للتليفون وفاتحة بقي من الصدمة، مش قادرة أستوعب حرف. شريف عينه وسعت لدرجة مخيفة، اتجمد مكانه، ومسك الموبايل من إيدي بصوابع مشلولة، وقرب المايك من بؤه بصوت واطي ومكسور كأنه طالع من بير عميق:— أمي؟
حماتي ردت بضحكة خفيفة:— أيوة يا حبيبي، إنت مع كريم دلوقتي؟ لحقتوه؟ أصل عمك حسين من الصبح فرحان وطاير من الفرحة، بيقولي أخيراً الواد كريم ربنا فتحها في وشه وهيطلع رحلة تبع شغله اللي اتثبت فيه، وأبوه كان مصمم هو اللي يدفعله مصاريف الرحلة كافية وزيادة من مكافأة نهاية الخدمة بتاعته! قولتله يا راجل سيب الواد يشيل نفسه، قالي لا، كريم ده دلوعي ومستخسرش فيه حاجة.
.. إنتوا فين بقى؟ هو سلم الشنط ولا لسه؟شريف ما ردش. بص بعينيه للراجل أبو بدلة رمادية، اللي ملامحه انقلبت تماماً، وبدل البرود اللي كان عليه، بدأ يرجع لورا بخطوات سريعة ناحية بوابة الخروج. وبص لكريم... كريم اللي كان قاعد على ركبه في الأرض، حاطط وشه بين إيديه، ومش قادر يرفع عينه في عين أخوه ولا بنسبة مليمتر واحد. منى صرخت وحطت إيديها على وشها وانفجرت في عياط هستيري:— أنا قولتلك يا كريم!
قولتلك بلاش الحوارات دي، قولتلك شريف هيفهم وهيكشفنا! إنت اللي ضيعتنا بطمعك!شريف قفل المكالمة في وش أمه من غير ما ينطق ولا كلمة. قفل الخط، ونزل إيده بالموبايل، ووقف ثانية واحدة كأن روحه بتتسحب منه. وبعدين انقض على كريم زي الوحش الجريح. مسكه من رقبته ورفعه من على الأرض وزقه في عمود خرساني في نص الصالة، لدرجة إن صوت الخبطة سمع في كل مكان، والناس بدأت تتجمع وتصرخ، وأمن المطار بدأ يتحرك من بعيد ورايحين ناحيتنا جري.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.