أنا قولت البت محروقة على ابنها، والوقت كفيل يبين الأبيض من الأسود. بس يا بنتي، اتعلمي من الدرس ده، العشرة متتهزش من أول ريح، والناس اللي برة البيت مفيش أكتر من عيونهم اللي بتبص على رزقك واستقرارك. قومت وسندت حماتي وقعدتها على الكنبة المريحة في الصالة، وبوست إيدها ورجلها، وقولت وأنا باخد نفسي توبة يا ماما، توبة أصدق أي كلمة تتقال على أهل بيتي، والله ما هكررها تاني أبدًا.
الباب بتاع الأوضة اتفتح، وبنتي طلعت وهي ماسكة إيد أخوها الصغير. الواد كان لابس بيجامته وراسه متربطة بالشاش الأبيض، ملامحه كانت بريئة ومكانش فاهم كل الدوشة اللي حصلت حواليه. أول ما شافني، جري عليا ورمى نفسه في حضني ماما! وحشتيني، راسك بتوجعني شوية بس خلاص بطلت أعيط لما تيتة جابتلي اللعبة الصبح قبل ما تسافري! ضميته لصدري بقوة، شميته وكأني بتنفسه لأول مرة.
حسيت بنبضات قلبه الصغيرة، ودموعي نزلت على كتفه، بس المرة دي كانت دموع شكر لربنا إنه حماه ونجاه من كل شر. بصيت لبنتي اللي كانت واقفة بعيد، وقولتلها تعالي يا منى، تعالي في حضني يا بنتي. أنتي كنتي بميت راجل النهاردة، لولا نبهتك ولولا إنك فتحتي عينك وكنتي واعية، كان زمان البيت ده متخرب وأم محمد راكبة فوق ضهورنا ومحدش قادر ينزلها.
منى جت واترمت في حضني وهي بتبتسم أنا كنت خايفة عليكي يا ماما، بس تيتة قالتلي استني لما أمك تهدى واحكي بالراحة عشان متنهارش. قعدنا كلنا في الصالة، والبيت اللي كان مليان صراخ وتوتر من ساعات قليلة، رجع يهدى ببطء. بس الهدوء ده مكنش كامل كان لسه في حتة ناقصة. تليفوني رن، كان جوزي بيتصل من شغله في الوردية المسائية.
رديت عليه وصوتي كان هادي ورزين أيوة يا أحمد أحمد اتكلم بقلق واضح في نبرته ها يا أم أحمد؟ عملتي إإيه؟ روحتي لأمي؟ متعمليش مشاكل يا بنت الناس، أمي ست كبيرة، وإحنا مش عارفين ظروفها إيه، أنا قلبي واكلني عليكي وعلى الولد وواقف في الشغل مش على بعضي! خدت نفس عميق وبصيت لحماتي اللي كانت بتلاعب ابني وبتضحك معاه، وقولت لجوزي بصوت كله فخر وامتنان أمك ست الكل يا أحمد، أمك حمت ابنك وحمتني وأنا في طريقي، والبيت ده ملهوش بركة ولا أمان غير بوجودها فيه.
لما ترجع بالسلامة هحكيلك على كل حاجة، بس كل اللي عايزاك تعرفه دلوقتي إن ابنك بخير، وأنا وأمك وبنتك قاعدين سوا، ومفيش بيننا غير كل خير ومحبة. أحمد سكت ثانية وكأنه مكنش مصدق، وبعدين اتنفس براحة وقال الحمد لله يا رب ربنا ما يحرمني منكم ولا يفرق بينكم أبدًا، أنا ساعتين وأكون عندكم في البيت.
قفلت معاه، وقبل ما أقوم أعمل لحماتي كوباية يانسون تهدي بيها أعصابها، الباب خبط خبطة واحدة هادية جدًا. بصيت لحماتي، وحماتي بصتلي بابتسامة نصر خفيفة وقالت قومي يا بتي شوفي مين، شكل الأمانة رجعت لأصحابها قبل ما يعدي الليل. مشيت ناحية الباب وفتحته ببطء. كان واقف برة عم سيد، جوز أم محمد، راجل مهدود الحيل وشكله مكسور، عينه في الأرض ومش قادر يرفعها في عيني.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.