وقفت قدام الباب وجسمي كله اتخشب، إيدي كانت لسه ماسكة مقبض الباب الحديد وصوابعي متبتة فيه لدرجة إن مفاصل إيدي ابيضت من كتر الشد. عينيا كانت مركزة في وش أم محمد. الست اللي كنت من كام دقيقة بس شايفاها الملاك الحارس اللي نجد ابني وستر بيتي، ودلوقتي شايفة قدامي شيطان لابس توب الطيبة، ست بتلعب بمشاعر أم محروق قلبها على ضناها، وبتاكل في عيشنا وتنهش في عرض العشرة اللي بين الجيران عشان شوية ملاليم مبلولة بدم طفل صغير.
أم محمد كانت عمالة تنهج، صدرها طالع نازل بطريقة مبالغ فيها، ومسكت صدريتها بطرحتها المنسولة وهي بتمثل الرعب بإتقان يخلي أي حد يصدقها لو مكنش كاشف كدبها الحقي يا أم أحمد، ركبي سايبة ومش قادرة أقف! الدكتور مسكني في التليفون وبهدلني، قالي الست دي جارتك؟ قولتلها أيوة، قالي انزلي هاتيها هي والولد فورًا، في نزيف داخلي وتحاليل الدم بتقول إن في كسر شرخي في قاع الجمجمة مش باين في الأشعة العادية، ولو اتأخرتوا الواد ممكن يدخل في غيبوبة لا قدر الله!
في اللحظة دي، حسيت بالهوا بيتسحب من حواليا. لو مكنتش لسه سامعة بنتي وشايفة حماتي المكسورة قدامي، كنت هصرخ وألطم وأجري زي المجنونة أشد الواد في حضني وأرمي نفسي تحت رجليها. بس المرة دي، عينيا شافت حاجات تانية خالص. شفت عينيها اللي كانت بتبص على شنطة إيدي المحطوطة على ترابيزة الصالة.
شفت نظرة متلهفة، نظرة تاجر خبيث بيجس نبض الزبون عشان يشوفه جاهز للدفع ولا لسه فيه نفس يجادل! حماتي قامت ببطء من ورايا، ساندة على عكاز خشب قديم كان مركون جنب الدولاب، ووقفت ورا ضهري مباشرة. حسيت بأنفاسها الهادية ونبض إيدها وهي بتتحط على كتفي تطمنتي وتثبتني، همست في ودني بصوت واطي جدًا ميسمعوش غيري اثبتي يا بتي الحية لما بتدخل الجحر بتدخل براسها، شوفيها عايزة تدق على إيه قبل ما تصدقي حرف واحد من لسانها المسموم ده.
بلعت ريقي وبصيت لأم محمد بنظرة باردة، حاولت على قد ما أقدر إني أخبي النار اللي بتغلي في عروقي، ورسمت على وشي ملامح الرعب المصطنع عشان أسايرها في لعبتها تحاليل إيه وكسر إيه يا أم محمد؟ هو الدكتور كان سحب منه دم أصلاً؟ ده أنتي قولتيلى أول ما دخلتوا المستشفى خيطوا الجرح على طول واديتوه بنج موضعي وروحتوا!
أم محمد اتلجلجت لثانية واحدة، رمشت بعينيها بسرعة وبدأت تفرك في إيديها، وبعدين تداركت نفسها وضربت على صدرها يا حسرة قلبي، أنتي بتسأليني في التفاصيل والواد في خطر؟ ده سحبوا منه عينتين دم أول ما دخلنا الطوارئ، تحاليل سيولة وميكروبات، وأنا من خضتي على الواد ووقفتي قدام الدكتور نسيت أقولك!
الدكتور قالي لازم يتعمله أشعة مقطعية فورية في المركز التخصصي اللي جنب المستشفى، والمركز ده مبيفتحش بالليل إلا بدفع كاش وتأمين كبير، قولتله حاضر يا دكتور، أنا هجري على أمه وأجيبها بالفلوس وبالولد ونركب تاكسي ونلحقه قبل ما يقفلوا باب الطوارئ! قربت خطوة منها، كان في ريحة غدر واضحة في كل كلمة بتنطقها، وسألتها بصوت هادي جدًا بس تقيل زي الرصاص والمركز ده عايز كام تأمين يا أم محمد؟ والدكتور ده اسمه إيه؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.