" عبير نفضت إيده بقرف وزقته في صدره: ـ "ورقة إيه يا مكسور العين؟ ده محضر وشرطة! أنا مشيت من بيت صاحبه عشان أعيش "هانم"، مش عشان أتشحطط في الأقسام بسببك وبسبب مراتك الشحاتة. طلعت بتصرف عليا من "جمعية" يا محمود؟ يا ريتني كنت فضلت على ذمة صاحبه ولا الجوازة السودة دي!" الكلمة نزلت على محمود زي الصاعقة، الست اللى ضحى عشانها، هي أول واحدة بتعايره بفقره وبـ "قِلة أصله".
في نفس اللحظة، كانت هناء قاعدة في بيت أهلها، لابسة عباية قديمة بس مكويه ونضيفة، وماسكة كوباية شاي وإيدها لأول مرة من سنين مابترتعشش. رنة موبايلها قطعت السكون، كان محمود. سابت الموبايل يرن مرة، واتنين، وتلاتة.. وفي الرابعة ردت بمنتهى الهدوء: ـ "أيوة يا محمود.. مالحقتش تتهنى بـ "البرستيج" ليه؟" صوت محمود كان طالع مكسور، فيه نهجة خوف: ـ "هناء..
إحنا عشرة يا هناء، بلاش توصل بينا للمحاكم، أنا غلطت وشيطان وعمي عيني، بس بلاش تخربي بيتي، عبير هتمشي وتفضحني." هناء ضحكت ضحكة هادية، بس توجع: ـ "بيتك؟ هو أنت كان عندك بيت أصلًا؟ أنت كان عندك "لوكاندة" بتنام فيها وتاكل وتجمع قرشك، والنهاردة صاحب اللوكاندة جيه يطالب بالحساب. وبعدين يا محمود، أنت مش كنت بتقول إني "محطة"؟ المحطة دي النهاردة القطر فاتها، وما فضلش ليك عندي غير "الحساب القديم".
" محمود بدأ يتوسل بصوت ذليل: ـ "طب قولي اللي أنتِ عايزاه، هطلقها والله وهجيلك أبوس رجلك، بس اسحبي البلاغ، أنا لو دخلت السجن هضيع." هناء ردت ببرود يجمّد المية: ـ "تطلقها؟ دي كانت "حلمك"! تبيع حلمك عشان تهرب من السجن؟ أنت مابتتغيرش يا محمود، بتبيع أي حد عشان تنجد نفسك. اسمع بقى.. الفلوس اللي خدتها مني، بفوائدها، وبحق السنين اللي شحنت فيها هدومي من أختك ومرات أخوك، هترجع قرش لينطح قرش.
ولو "عبير" مشيت، فده عشان هي عرفت إنك "قشرة"، وإنك من غير فلوس "هناء" ماتسواش تمن الطقم اللي أنت لابسه." قفلت السكة في وشه، وقامت وقفت قدام المراية. بصت لوشها التعبان، وقالت لنفسها: "حق الهدوم المقطعة هيرجع يا هناء.. وحق الكسرة هيرجع دهب." تاني يوم، محمود لقى نفسه لوحده في الشقة.. عبير خدت الدهب اللي كان لسه مشتريهولها وهربت، وسيد واقف تحت البيت مع الونش عشان يحجز على العفش.
محمود قعد على الأرض، في نفس المكان اللي كان واقف فيه بيعاير هناء بفقرها، وبكى.. بس المرة دي بكى على نفسه، لأنه اكتشف إنه خسر "الست" اللي كانت سترة وعرضه، عشان "وهم" باعه في أول محطة. بعد أسبوع من المحايلة محمود مابقاش قدامه مفر. الحبل كان بيضيق حوالين رقبته، وسيد أخو هناء ماكانش بيدي له فرصة يتنفس، كل يوم تهديد بشكل جديد، يا الدفع يا الحبس.
. وعبير؟ عبير سابت له الشقة "على البلاط" بعد ما خدت كل اللي تقدر عليه من دهب وهدوم غالية وخلعت، وكأنها بتقوله: "أنا كنت معاك عشان الفلوس، والفلوس راحت". وقف محمود في نص الشقة اللي بقت فاضية وباردة، بص للحيطان اللي كان فاكر إنها هتجمعه بـ "حلم عمره"، ولقى نفسه مضطر يبيعها عشان يشتري حريته.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.