الساعة بقت اتنين وأربعين دقيقة. شاشة التليفون نورت في إيدي، كانت صورة مبعوتة واتساب. حسام ونيرمين واقفين في صالة مطار القاهرة، حاضنين بعض، وهي هانم زمانها، مبتسمة ولابسة نظارة شمس بالليل تحت لور صالة المطار وفاردا ضحكتها. وتحت الصورة رسالة مكتوبة بـ غل وشماتة: “مع السلامة يا فاشلة، مسبتلكيش مليم.. لما تصحي الصبح مش هتلاقي لا بيت ولا شركة ولا مليم واحد في البنك”. قريت الرسالة وضحكت بصوت عالي سمعه صدى الحيطان.
مش عشان مش موجوعة، الوجع موجود، وجع السنين واللقمة اللي اتقسمت كدب، بس ضحكت لأن حسام طول عمره كان بيفسر أدبي وسكوتي على إنه قلة حيلة وخوف. الغباء عماه وخلاه يصدق إن الشركة بتاعته لمجرد إنه بيلبس البدلة الشيك ويتكلم في الاجتماعات، وافتكر الفيلا بتاعته عشان اسمه محفور على يافطة الباب، وفاكرني ماليش لازمة عشان كنت بسيبه يقعد في رأس الترابيزة قدام المستثمرين.
اللي مكنش يفهمه، أو حب ينساه، إن شركة “الفايد للمستلزمات الطبية” دي متولدتش معاه، دي بدأت من قلب “السبتية”، من مخزن أبويا الله يرحمه ويكرم ترابه، لما كان حسام لسه شغال مندوب بسيط، بيوزع بالشنطة على المستشفيات وكعبه دايب من المشي. أنا كبرت وسط الفواتير، وخطوط السير، وتخليص أوراق الجمارك، وحسام جه بعدين بالبدلة الشيك والضحكة اللي بتخطف والغل اللي كنت فاكراه طموح.
من ست شهور، لما عرفت باللي بيحصل في السكات، قلعت توب الزوجة المغفلة ولبست توب بنت البلد المحققة اللي واكلة السوق. جمعت كل حاجة: كشوف حسابات البنوك، تسجيلات مكالمات، إيميلات، فواتير مضروبة كان بيعملها عشان يهرب الفلوس، وتحويلات بنكية لشركة وهمية باسم ابن عم نيرمين. وكل ورقة من دي كانت بتوصل دليفري أول بأول لمكتب المحامية بتاعتي، ومنها لنيابة الأموال العامة.
الساعة بقت اتنين وسبعة وأربعين دقيقة. كتبت رد من تلات كلمات بالظبط، ودوست إرسال: — “تنبسط في المطار يا حبيبي”. تليفوني بدأ يرن.. حسام اتصل الساعة تلاتة.. مردتش. نيرمين اتصلت تلاتة وعشرة.. وبرضه مردتش. سحبت كرسي وقعدت قدام الشباك، وبصيت على مكاني الفاضي في السرير وأنا مستنية خيوط الفجر الأولى تظهر في السما.
كنت قاعدة ومطمنة، لأن حسام أول ما يوصل مكتب الجوازات، هيكتشف إن جواز سفره اتوقف، وحساباته البنكية اتقفلت بالمليم، وإن “الفاشلة” اللي سابها نايمة في السرير، مضت على القرار اللي هيقفل عليه كل أبواب الخروج من البلد.. واللي حصل بعد كده ، خلى الضحكة تقف في زوره وتتحول لكابوس عمره اللي مش هيصحى منه! الساعة بقت تلاتة ونص الصبح.
السكون اللي مالي الفيلا مبقاش مرعب ولا غريب، بالعكس، بقيت حاسة إن الحيطان اللي كانت كاتمة على نفسي ومكتفة روحي السنين اللي فاتت دي كلها، بدأت تطق وتتنفس معايا. نزلت المطبخ بخطوات رايقة، عملت كباية قهوة سادة بوش مظبوط، وقعدت على الكرسي الهزاز قدام الشباك الكبير اللي بيبص على الجنينة والورد اللي دبل من إهماله. التليفون على التربيزة جنبي مبيطلش زن، الشاشة تنور وتطفي وتصرخ بالأسامي: حسام.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.