قلبي اتنفض ونور مسكت في ملايتي . الراجل وقف قدامي وقال بتهذيب: “حضرتك المدام فضل؟”. قلتله بخوف وتحفز: “أيوة أنا.. أنت مين وعايز إيه؟”. الراجل طلع كارت واداهوني وقال: “أنا المحامي الخاص بالأستاذ عصام جوز حضرتك.. الأستاذ عصام بيمر بظروف صعبة جداً، وهو طالَب رؤيتك أنتِ والبنت فوراً، بعتني عشان أخدكم له”. قلتله بغضب وكبرياء: “عصام؟! عصام اللي رمانا في الشارع ورفض يعترف ببنته؟ قول لسيدك إننا مش ألعاب في إيده، ومفيش بيني وبينه حاجة خلاص!
”. المحامي حرك رأسه بأسى وقال نبرة جدية : “يا مدام فضل.. الأستاذ عصام في المستشفى، ! وطلبه الأخير قبل ما يجراله حاجة إنه يشوف نور ويشوفك.. أرجوكي تعالوا معايا قبل فوات الأوقات”. نظرت لنور اللي كانت بتبصلي بذهول، ورجعت بيا الذكريات .. هل أرجع للراجل اللي كسرنا بنتنا؟ ولا أسامح إنسان بين الحياة ؟ وقفت في مكاني والشمس بتلوي وشي، حاسة إن الأرض بتلف بيا. كلمة “” نزلت على قلبي زي المية المغلية.
رغم كل القسوة والظلــ,,ـــــم اللي شفته منه، ورغم إنه رمى بنته وهانني، بس في النهاية ده عصام.. حبيبي وعشرة عمري وأبو ولادي. نور بصلتي بدموع محبوسة وسألتني بصوت بيرتعش: “ماما.. هو بابا عيان؟ هو هيجراله حاجة زي يوسف؟”. نزلت لمستواها ومسكت إيديها الصغيرين وقلت بقلب مقسوم نصين: “مش عارفة يا نور.. بس لازم نروح نشوفه، ماشي يا حبيبتي؟”. البنت هزت رأسها بالوافقة وهي خايفة، بس كان جواها حنين دفين لأبوها مهما عمل فيها.
ركبنا عربية المحامي، وطول الطريق للقاهرة كنت حاطة إيدي على قلبي، والأفكار بتطحن في عقلي طحن. يا ترى جَرى له إيه؟ هل أكل نفسه من الغل والندم؟ ولا الشوق ليوسف .ه؟ ونور كانت جنب ساكتة، باصة من شباك العربية وبتمسح دموعها بخوف. وصلنا مستشفى كبير في وسط البلد. المحامي مشي قدامنا بسرعة ودخلنا الدور التاني، لحد ما وقفنا قدام العناية المركزة.
هناك لقيت أخته “وفاء” وقفة بتبكي، أول ما شافتني جِريت عليّ وأخدتني في الحــ,,ـــــضن وهي بتصرخ: “الحمد لله إنك جيتي يا فضل! عصام ضاع يا فضل.. عصام بين إيدين ربنا!”. سألتها بصدمة وأنا برتعش: “حصل إيه يا وفاء؟ ماله عصام؟”. وفاء غطت وشها بإيديها وبكت بحــ,,ـــــرقة وقالت: “من يوم ما مشيتوا وهو قافل على نفسه الشقة، بطل ياكل وبقى يشرب سجاير بشراهة مش طبيعية، وكان بيفضل قاعد في أوضة يوسف بالليالي يبكي وينادي عليه.
من أسبوع جاله جلطة شديدة في القلب ونقلوه هنا، والدكاترة قالوا إن حالته متأخرة جداً وقلبه مش قادر يتحمل، ولما صحي النهاردة الصبح الصبح، أول حاجة نطقها كانت اسمك واسم نور.. صرخ وقال هاتوا لي نور قبل ما !”. الكلام دخل قلبي زي السكاكين. بصيت لنور اللي كانت واقفة مستخبية ورايا ومسكة في ضهري بحماسة. في اللحظة دي، خرج الدكتور من العناية المركزة وبص لنا وقال: “مين المدام فضل ونور؟
المريض جوه فاق وطلبكم بالاسم، بس أرجوكم بلاش أي انفعال لأن الحالة حَرجة جداً وممكن يفقد الوعي في أي لحظة”. مسكت إيد نور وفتحت باب العناية المركزة بخطوات بطيئة، وأنا حاسة إن رجليا مش شيلاني. ريحة المطهرات وصوت الأجهزة اللي بتبص بصوت منتظم كانت . قربنا من السر,,ـــــير.. وعيني وقعت على عصام! انصدمت من شكله..
الراجل القوي اللي كان مالي البيت بصوته وهيبته، بقى مجرد جــ,,ـــــثه هامدة مرفوعة على الأجهزة، وش أصفر زي الليمون، وجسمه خاسس للنصف، وعينيه غايرة لجوه. أول ما فتح عينيه وشافنا، شريط من العذاب مر فيهم. حرك شفايفه بصعوبة شديدة وصوت واطي ومبحوح كأنه جاي من القبــ,,ـــــر: “فـ.. فضل.. نور..”. دموعي نزلت بغير إرادة مني وقربت منه، ونور كانت واقفة جنب السر,,ـــــير، خايفة تقرب بس عينيها مليانة لهفة وألم.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.