بنتي الصغيره حكايات زهره الربيع 3

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

أول ما رآنا، اتسعت عيناه قليلاً، وضغط بأصابع يده اليمين – التي كانت ما تزال تحتضن يد نور الصغيرة – ضغطة خفيفة للغاية ولكنها كانت بالنسبة لنا بألف كلمة. الدكتور التفت إليّ وقال بلهجة جادة: “الحالة الحيوية استقرت والوعي رجع، دي معجزة بكل المقاييس الطبية. بس لازم تعرفي يا مدام فضل، المريض خارج من غيبوبة طويلة وأزمة قلبية حادة، يعني الخروج من العناية مش هيبقي النهاردة ولا بكره.

محتاجين نطمن على وظائف المخ والحركة والجهاز العصبي كلياً خلال الكام يوم الجايين، وأهم حاجة ممنوع أي انفعال أو ضغط عصبي”. أومأت برأسي بدموع الفرحة والارتياح، وجريت خطوات صغيرة نحو السر,,ـــــير. انحنيت عليه وبست جبينه الساخن وأنا أبكي بصوت خافت: “حمد الله على سلامتك يا عصام.. الحمد لله إنك رجعت لنا، الحمد لله يا حبيبي”.

عصام حاول ينطق، شفايفه تحركت ببطء ونطق حرفين بصعوبة: “نـ.. نور..”. نور رفعت رأسها وصعدت على كرسي صغير بجانب السر,,ـــــير، وحطت يدها على خده المخربش بلحية طويلة بيضاء لم أرها فيه من قبل، وقالت له بابتسامة وسط الدموع: “أنا هنا يا بابا.. أنا جنب أهو مش هسيبك خالص”. عصام أغمض عينيه ودمعة سخنة سالت من زاوية عينه على خد نور، كأنه بيغسل بيها كل السواد والظلــ,,ـــــم والذنب اللي عاشه طوال الشهور الماضية.

مرت ثلاثة أيام في العناية المركزة، كانت من أصعب وأطول الأيام، ولكنها كانت محملة بالأمل. عصام كان يسترد وعيه بالتدريج، بدأ يتكلم بكلمات متقطعة، والأجهزة بدأت تتشال عنه واحدة ورا الثانية لحد ما تم نقله لأوضة عادية في الدور الثالث. كنت بقضي اليوم كله جنبه، أنا ونور. أساعده في الأكل، أغيرله، وأمسح على رأسه.

لكن رغم الاستقرار الطبي، كنت حاسة إن في حاجة غلط.. عصام كان هادي زيادة عن اللزوم. هدوء يرعب، مبيردش غير على قد السؤال، ونظراته دايماً متثبتة في السقف أو في الشباك. كان كل ما يبص لنور، عينيه تملأ دموع، يمد إيده يحــ,,ـــــضنها، وبعدين يسكت تماماً ويكتم جواها وجع أعمق من الجبال.

في ليلة من الليالي، بعد ما نور نامت على الكنبة الموجودة في أوضة المستشفى من كثر التعب، قعدت جنب عصام على السر,,ـــــير، مسكت إيده الباردة وقلت له بصوت حنون: “عصام.. أنت ساكت ليه؟ الدكتور قال إن جسمك بيستجيب للعلاج ومجرد ما نطمن على الحركة والرجلين هنقدر نرجع البيت.. ليه حاساك بعيد وعقلك شغال في حاجة تانية؟”. عصام حرك رأسه ببطء ونظر إليّ، عيناه كانتا مجهدتين جداً، وقال بصوت مبحوح: “أنا مش قادر أنسى يا فضل.

. كل ما أغمض عيني بفتكر يوسف وهو طالع فوق الكنبة، وبفتكر اليوم اللي خرجت فيه من عقلي وكنت عايز أرمي بنتي.. أنا كنت مجنون يا فضل، كنت وحش! إزاي هبص في وش نور لما نرجع البيت؟ إزاي هبص في عينيكي وأنتِ شفتيني وأنا بظلــ,,ـــــم بنتي وأردد كلام الدار؟”. دموعي نزلت وقربت منه أكتر وقلت له بنبرة قوية مليانة حب وإيمان: “عصام.. أنا عرفت كل حاجة. الحاج عبد الجواد جالي المستشفى وحكالي على كل حاجة.

. حكالي عن ، وعن السر اللي شلته لوحدك وما رضيتش تكسرنا بيه، وعن الشراكة اللي اتدمرت. أنا عرفت إنك ما كنتش بتكره نور.. أنت كنت بتهرب من ذنب مش ذنبك، وكنت فاكر إنك السبب في اللي حصل ليوسف!”. عصام اتصدم، عينيه وسعت بذهول وشهق بصوت مكتوم: “عبد الجواد؟! عبد الجواد حكالك؟!”. قلت له وأنا بأومئ برأسي: “أيوة.. حكالي يا عصام.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
936مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة