مسكت إيد نور ودخلنا العناية المركزة. قربنا من اللي نايم عليه عصام، محاط بالأجهزة والصوت المنتظم للقلب. مسكت إيده الشمال، وحطيت إيد نور الصغيرة في إيده اليمين. قعدت على الركب جنب السر,,ـــــير، وبصيت لوشه الأصفر المجهد، وقلت له بصوت حنون وبكي: “عصام.. أنا عرفت كل حاجة يا عصام.. عرفت السر اللي كنت مخبيه ومتحمله لوحدك في قلبك.. أنت مش السبب يا عصام، ويوسف عند ربنا في مكان أحسن، ونور مسامحاك وأنا مسامحاك.
. ما تسيبناش يا عصام، بلاش تسيبني أشيل الشيلة لوحدي تاني.. ارجع عشان خاطر نور اللي مالهاش غيرك”. نور مال جسمها على صدـ,,ـــر أبوها، وحطت خدها على خده، وقالت بنبرة طفولية بريئة بتهز الحجر: “بابا.. أنا مش زعلانة منك خالص والله، وأنا عارفة إنك بتحبني.. صحاني يا بابا عشان نلعب سوى زي زمان.. أنا مستنياك يا بابا”. في اللحظة دي.. وفي وسط الهدوء التام وصوت الأجهزة.
. شفت صوابع عصام اليمين، اللي ماسكة إيد نور، بتبدأ تتحرك حركة خفيفة! جسمي اتنفض، ونور صرخت بفرحة: “ماما! بابا حرك إيده! بابا ماسك إيدي يا ماما!”. بصيت لوشه بسرعة.. لقيت جفونه بتهتز، ودمعة سخنة محبوسة خرجت من زاوية عينه النايمة، وبدأ صدـ,,ـــره يعلى ويوطى بشكل مضطرب، والأجهزة بدأت تطلع نغمات سريعة تعلن عن استجابة عصبية داخلية!
جريت على الباب وبصرخ بأعلى صوتي للممرضين والدكاترة: “دكتور! الحقني يا دكتور! عصام بيتحرك.. عصام بيصحى!”. دخل الطاقم الطبي بسرعة ورجموا الأوضة، وزقونا لورا وهي حالة طوارئ شديدة، والدكتور بيطالع حدقة عينيه وبيقيس العلامات الحيوية وهو بيقول بذهول: “معجزة.. المريض بيستجيب للوعي بعد شهر ونص غيبوبة كاملة!”. وقفت أنا ونور في زاوية الأوضة ماسكــ,,ـــــين في إيدين بعض، وقلوبنا بتدق بأعلى سرعة، مستنيين اللحظة اللي عصام يفتح فيها عينيه بجد.
. ومش عارفين، لما يفتح عينيه ويرجع للدنيا كاملة.. هل السر ده هيخليه يرجع الأب والحبيب بتاع زمان؟ ولا الآثار اللي سابتها الدــ,,ـــــادثة والغيبوبة في جسمه وعقله هتفتح باب لتربية ومواجهة جديدة أصعب من كل اللي مر علينا؟ وقف الفريق الطبي حول سر,,ـــــير عصام في حالة استنفار تام. الأجهزة الإلكترونية كانت تصدـ,,ـــر أصواتًا متسارعة، والدكتور يسلط الضوء الصغير على حدقة عينيه، بينما الممرضة تمسك بيده وتقيس النبض بصورة يدويّة مع مؤشرات الشاشة.
كنت واقفة في زاوية الغرفة، ضامة نور إلى صدـ,,ـــري بكل ما أوتيت من قوة، ونور واضعة وجهها في أحضاني، تتنفس بصعوبة وتهمس بصوت مرعوب: “يا رب بابا يصحى.. يا رب بابا يرجع معانا”. فجأة، تحركت شفاة عصام اليابسة، وصدـ,,ـــر منه صوت أنين خافت جداً، صوت بحة عميقة كأنه قادم من قاع بئر سحيق. فتح عينيه ببطء شديد، عيناه كانت زاغتين، لا تستقران على شيء، ترمشان بتعب ضد ضوء الغرفة الخافت.
الدكتور بابتسامة ذهول ونبرة هادئة قال له: “حمد الله على السلامة يا أستاذ عصام.. اهدى خالص، متتحركش، أنت في المستشفى ومعانا، كل حاجة بخير”. عصام حرك حدقتيه ببطء شديد في أرجاء الغرفة، كأنه يسترجع ذاكرته المفقودة أو يحاول التعرف على العالم من حوله بعد شهر ونصف من الغيبوبة والظلام التام. خفت خطواته النظرية حتى وقعت عيناه عليّ وعلى نور.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.