ده الكلام اللي كنت بصبر بيه البنت، وبصبر بيه نفسي عشان أقدر أكمل. كنت دايما أروح لعصام وأتحايل عليه: “استغفر ربنا يا عصام، ده قضاء وقدر، الاتنين ولدنا! ابننا عند ربنا، انت عايز تجنن البنت؟ عايزنا نخسر الاتنين في غمضة عين؟”. كان يسكت وميردش، بس النظرة اللي في عينيه كانت بتقول إن النــ,,ـــــار اللي جواه مهتتطفيش. لحد ما جت السودا إياها.. عصام اتأخر جدا بره البيت، ورجع في نص الليل.
أنا من كثر القلق والتعب، كنت نايمة على الكرسي في الصالة ومستنياه. أول ما فتح الباب ودخل، صحاني بصوت غريب.. صوت هادي زيادة عن اللزوم، بس هدوء . بصلي وقال بقسوة وبرود ممرتش عليا قبل كده: “البنت دي خلاص.. وجودها في البيت ده بقى وما بقتش قادر أتحمله، وأنا لقيت الحل المناسب لموضوعها”. أنا اتعدلت في قعدتي وقلبي اتنفض من الخوف، سألته بذهول: “حل إيه يا عصام؟ تقصد إيه؟”. واللي قالهولي وقتها..
مستحيل على بال أي أب، ولا أي بني آدم فيه ذرة رحمة على وش الأرض!!!! وقف عصام قدامي، ملامحه كانت متجمدة زي صخر مابيوصلوش شعاع شمس، وعينيه فاضية تمامًا من أي مشاعر إنسانية. قرب مني بخطوات بطيئة، ودخل إيده في جيبه وطلع ورقة مطوية ورماها على الترابيزة قدامي. بصيت للورقة بذهول قلبي كانت مسموعة في الصالة الفاضية، سألته بصوت بيرتعش: “إيه دي يا عصام؟ ورقة إيه دي؟”.
رد عليّ بنبرة جافة وميتة: “دي استمارة تقديم لدار أيتام ورعاية في المحافظة اللي جنبنا.. أنا اتكلمت مع مدير الدار، وهياخدوها هناك بحجة إن مالهاش عائل أو إننا مش قادرين نتكفل بيها.. الورقة دي هتوقعي عليها معايا بكره الصبح، والبنت دي قبل ما الشمس تطلع تكون بره البيت ده، ومشوفش وشها هنا تاني لأخر يوم في عمري!”. الكلام ينزل عليا زي ، حسيت الأرض بتلف بيا والجدران بتتساقط فوق رأسي.
قمت وقفت بحركة جنونية ومسكت في قميصه وأنا بصرخ بذهول: “أنت اتجننت؟! دار أيتام إيه اللي تروحها بنتك؟! دي بنتك يا عصام! نور.. حتة منك ومن ! أنت عايز ترمي بنتك الوحيدة في الشارع علشان مقدرة ومكتوبة؟!”. زق إيدي وببرود ، وقال وهو بيجز على أسنانه: “دي مش بنتي! دي اللي ابني.. دي المجرمة اللي حرمتني من نَفَس يوسف في الدنيا!
كل ما بص لوشها بشوف يوسف وهو بيقع، كل ما أسمع صوتها بفتكر صريخه! أنا مش قادر أتنفس وهي في البيت ده، ولو فضلت هنا يوم كمان.. أنا ممكن بإيديا يا فضل، افهمي بقا!”. بقيت وأترجاه وأبوس على إيده: “أبوس إيدك يا عصام بلاش.. عشان خاطر ربنا بلاش تعمل في البنت كده، البنت بتفوت في كوابيس كل ليلة وتصحي ، البنت ضاعت خلاص ومفضيلهاش في الدنيا غيرنا.. لو رميناها !”.
لكنه كان قاسي أكتر من الحجر، سابني وطلع على وقفل الباب بالمفتاح ورادد عليّ من جوه: “قدامك للصبح، لو أصحى ألاقيكي موقعة على الورقة ومجهزة شنطتها، يا إما تطلعي بره البيت معاها وما ترجعيش تاني أبداً!”. قعدت على الأرض في الصالة وأنا بانهار، الدموع كانت نازلة وشي، حاسة بإحساس عجز ما فيش أم في الدنيا تتحمله. إزاي أب يوصل بيه إنه يرمي بنته في دار أيتام؟
إزاي أختار بين جوزي وبيتي، وبين بنتي الطفلة اللي ملهاش ذنب في الدنيا غير إنها كانت بتلعب مع أخوها؟ وفجأة.. وأنا في قمة الخافت، سمعت صوت حركة خفيفة ورايا. اتلفت بسرعة بدموعي.. لقيت باب مفتوح حتة صغيرة، ونور واقفة وراه. البنت كانت سمعت كل كلمة! كانت وافقة من ، كله بيرتعش، ودموعها نازلة على خدودها الصغيرين من غير ما تطلع صوت واحد.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.