ج1 جوزي كان مسافر

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

بصيت للتورتة اللي كانت بين إيدي، للشريط الستان المربوط حولين العلبة بنظام، ثم لأكياس الفطير المشلتت الطازة الليحرصت على أن أختارها بنفسي واحدة واحدة من الفرن البلدي وأنا واقفة على رجلي بسأل الراجل ينقي لي الأحسن والأطري، ظنًا مني أنني سأدخل بها بيت ست حزينة محطمة لتواسيها في يتمها وترملها. كم كنت غبية! وكم كانت السذاجة والنية الطيبة تكسو روحي بغطاء عمى عيني عن الخيانة!

الفطير الذي تحسست حرارته بيدي من شوية كاد يبرد، تمامًا كما بردت الدماء في عروقي وأنا أرى خيانة زوجية ليست مجرد نزوة عابرة أو خطأ لحظة، بل مؤسسة بالكامل، مرخصة ومبصوم عليها من الأم، ومباركة من جميع أفراد العيلة على حساب عمري، وصحتي، وأيامي الصعبة اللي أهديتها لهم بلا حساب ولا مقابل.

تحركت خطوات بطيئة بثبات مرعب، غير مبالية بنظرات الرعب المرتجفة في عين كريم اللي كانت رايحة جاية بيني وبين الباب، ولا بنظرات التهرب المستترة لنجلاء وهي بتلم قميص نومها حولين بطنها وراء ضهره، ولا حتى بنظرات البرود المتعجرف التي رمتني بها حماتي وكأنها صاحبة الحق الأوحد في هذا الكون والآمرة الناهية في الشقة.

تخطيت كريم الذي انكمش في مكانه وكأنه شاهد عيان على حادث سير مروع مش عارف يهرب منه، ودخلت من باب الشقة لجوه الصالة. لم أكن أبكي، ولم أكن أرتجف، ولا حتى أيدي اهتزت فـ تهز الحوائج اللي شايلها. كان هناك نوع غريب من البرود القاتل قد تملكني، برود يشبه تجمد المياه في أعماق البحيرات القطبية التي لا توصلها شمس. حطيت التورتة بالراحة على ترابيزة الصالة وجنبها أكياس الفطير، وعيني بتتفحص المكان.

. التفاصيل، أطقم الكاسات، السجاد، اللوحات اللي على الحيطة.. كل حاجة كانت بتقول إن المكان ده متجهز بمهل وعلى نضافة، مش مجرد شقة أردح فيها أسبوعين. قالت حماتي بنبرة محاولة لضبط إيقاع الموقف وترميم الهيبة اللي اتهزت بوجودي، وكأنها تدير جلسة صلح عائلية في بيت العيلة: “يا بنتي، اقعدي بس واهدي، العقل زينة والسرعة من الشيطان.

الموضوع أبسط بكتير من اللي في دماغك وتخيلاتك دي. كريم ما كذبش عليكِ في حاجة جوهرية أو قصد يضرك، نجلاء كانت محتاجة، وجوزها الله يرحمه كان صاحبه الروحي وأخوه اللي ما ولدتهوش أمه، والوصية واجبة والدين والأصول بيقولوا كده، والبيت ده…” التفتُ إليها ببطء شديد، وقطعت كلامها بنبرة صوت هادئة جداً لكنها كانت تحوي حِدّة وس/كينة تلمة جعلتها تبتلع باقي جملتها وتتثبت مكانها: “البيت ده؟

تقصدي بيت مين يا أمي؟ بيت صاحبه المرحوم اللي ساكنة فيه مراته وأخته و… ولا تقصدي الشقة اللي أنا فرشاها قرش بقرش من تعب أبويا الله يرحمه ومن دهبي ومؤخري اللي ما سدتهوش؟ ولا تقصدي إيه بالضبط؟ أنهي بيت فيهم؟” توترت حماتي ووشها جاب ألوان من إحراجها قدام نجلاء، وقالت بحدة دفاعية وصوت عالي عشان تغطي على موقفها: ” إنتِ بتقولي إيه وقلة الأدب والتطاول ده جه منين؟

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
928مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة