طارق وطى يزحف على بطنه تحت السر,,ـــــير والدولاب عشان يجيب علبة الكريم، وراسه اتخبطت في الكومودينو: “آآآخ! يا ربي الصبر!” طلع بالعلبة، وهو وشه كله تراب وعفار، خلص تغيير ليوسف ولبسه، بس اكتشف إن هدوم الوادين خلصت كلها! كل السالوبيتات كانت متوسخة لبن وقشط وترجيع، والباسكت بتاع الغسيل طافح هدوم بيضا وملونة! ”الغسالة بتشتغل إزاي دي كمان؟
” دخل الحمام ووقف قدام الغسالة الأوتوماتيك كأنه واقف قدام كابينة طيارة بوينج. زراير، شاشات، بكرات، ورموز مريبة: شمس، ورقة شجر، علامة كوي، قطن، صوف! طارق مسك المسحوق، كب منه تلات كوبايات في الدرج عشان الهدوم تنضف بسرعة، ولم كل الهدوم اللي في البيت: الأبيض مع الأسود مع الأحمر مع السالوبيتات الصوفية مع الفوط، وحشرهم في الحلة لحد ما الغسالة كانت بتستغيث، وظبط البكرة على أعلى درجة حرارة عشان “الجراثيم تمــ,,ـــــوت”، وداس زرار التشغيل!
الغسالة بدأت تسحب مية، وطارق حس بالفخر: “أهو.. شغلت الغسالة، أكلت العيال، وغيرتلهم، إيه الصعب في كدة بقى؟ نسوان مأفورة وبتحب تتباكى!” الساعة بقت ١٠ بالليل. طارق كان بطنه بتصوصو من الجوع، مأكلش من الصبح غير لقمة عيش ناشفة وجبنة بيضا في بؤه على الواقف. دخل المطبخ يدور على أكل، ملقاش غير تونة وتوست بايت. فتح علبة التونة وكلها بالشوكة من العلبة وهو واقف، ودموعه كانت محبوسة في عينه من القهر.
بص على نفسه في مراية المطبخ: دقنه نبتت عشوائي، عينيه غرقانة تحت هالات سودة كأنه مدمن هيروين، شعره منكوش، ولابس شورت وبنص كم مقطوع ومليان بقع صفرا وخضرا، وريحته تخنق بلد. وفجأة.. سمع صوت فرقعة جاية من الحمام، وصوت هبد وترزيع كأن في دبابة جوة! طارق جرى على الحمام وفتح الباب..
المنظر كان يفوق أي كابوس شافه في حياته: الغسالة كانت بتنط من مكانها، الرغوة بتاعة المسحوق طالعة من الدرج ومالية أرضية الحمام كلها واصلة لحد الصالة، والمية المغلية بتسرب من الخرطوم، وصوت العصر كان كأن محرك نفاث بيحتضر! جري طارق وشد الفيشة من الحيطة وهو بيتزحلق في الرغوة، وقع على ضهره في نص المية بالصابون، وقعد يصرخ من وجع عصعوصه: “آآآآه يا ضهري! آآآآه يا قفايا!” قام يجر رجليه، فتح باب الغسالة عشان يشوف الهدوم.
. الكارثة كانت مكتملة الأركان: الفوطة الحمرا حلت على كل السالوبيتات البيضا بتاعت التوأم، فبقت كلها لونها بمبي فاقع، وبلوفر طارق الصوف المفضل اللي شاري بيه ألفين جنيه انكمش وبقى مقاسه ينفع لعروسة لعبة! قعد طارق في وسط الرغوة على أرضية الحمام، وبدأ يعيط بجد. عياط راجل اتهد، عياط راجل كل كبريائه وغروره اتداسوا بالجزم. وفي اللحظة دي، كأن الكون مكنش ناقصه غير المشهد ده.
. ياسين ويوسف، اللي كانوا نايمين من التعب، صحيوا على صوت الهبدة، وانطلقت صفارة الإنذار التوأمية للمرة المليون: “وااااااااع… واااااااع!” طارق زحف على ركبه برة الحمام، مبلول، مزحلق، وشه في الأرض، دخل الأوضة لقى يوسف بيصرخ ووشه محمّر وعمال يعطس ويكح. طارق قرب منه، حط إيده على جبين الواد.. إيده اتلسعت! يوسف كان مولع نــ,,ـــــار! طارق اتفزع، قلبه وقع في رجليه: “يوسف!
يوسف مالك يا حبيبي؟ حرارتك عالية أوي ليه كدة؟!” دور على الترمومتر في الأدراج، ملقاهوش، كل حاجة متبهدلة ومرمية في حتة. جاب كمادات مية من الحنفية، حطها على راس الواد، الواد صرخ ورفضها وقعد يرتعش من السخونية. هنا طارق حس بالرعب الحقيقي.. مش رعب الشغل ولا رعب الفلوس ولا رعب الفضايح.. رعب إنه ممكن يضيع ابنه بإهماله وجهله، رعب إن سلمى كانت حامية البيت ده من كوارث هو عمره ما حس بقيمتها.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.