بابا جبلي تكيف ج 3 بقلم روماني مكرم

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

البنت مش واقفة عليك، وبكرة تشوف الحكم هيعمل إيه في مستقبلك الوظيفي. في مساء اليوم نفسه، وبعد أن وصل خبر اقتطاع النفقة مؤقتاً من مرتب محمود إلى أمه، شطاط غضب “أم محمود”. لم تتحمل أن يذهب جزء من مرتب ابنها العزيز لصالح “الموظفة” التي طردتها من الشقة. قامت بالتواصل مع ابنتها سمر وجوزها إبراهيم، ودبروا خطة خبيثة جديدة.

قررت أم محمود أن تأخذ بعض النسوة من أقاربها في المنطقة، وتتجه ليلة الجمعة إلى بيت الحاج عبد الله للتجمهر أمامه وافتعال مشاجرة شعبية تطال سمعة عبير والعائلة في منطقتهم السكنية، علّهم يجبرون الحاج عبد الله على التنازل عن القضايا والقبول بالصلح بشروطهم. ولكن ما لم تكن تحسب له أم محمود حسماً، هو أن منطقة الحاج عبد الله كانت منطقة شعبية مترابطة يعرف فيها الجميع قدر الحاج عبد الله وأخلاقه وشقاء بنته وعفتها.

عندما وصلت أم محمود وابنتها وبعض النسوة وبدأوا في إطلاق الصرخات والتفوهات المسيئة في الشارع أسفل بيت عبير، تجمّع شباب المنطقة ورجالها في دقائق معدودة، ووقفوا حائلاً بينهم وبين البيت. خرج الحاج عبد الله وإخوته إلى البلكونة، فيما نزل الشباب وصاح كبير المنطقة عم “حسنين”: * جرى إيه يا ست أنتِ وهي؟ أنتِ جاية تتشاطري على بيت أنظف ناس في المنطقة؟ عبير دي بنتنا كلنا وشقاها ومرباها كلنا عارفينه!

لو ما أخذتيش حريمك ومشيتِ فوراً من الشارع، النجدة هتوصل دلوقتي وهتبيتي أنتِ وبنتك في القسم بتهمة التجمهر وإثارة الشغب! فوجئت أم محمود بأن الشارع كله يقف ضدها، وأن محمود لم يحضر معها أساساً لأنه كان يقبع في شقته تحت تأثير المهدئات بعد أن بدأ زملاؤه في العمل يتهامسون عن خصم النفقة المحول لجهة عمله.

حاولت سمر أن ترد بصوت عالٍ، لكن إبراهيم جوزها جرى ونزل من السيارة وسحبها بغضب شديد أمام الناس وقال لها بصوت مسموع: * امشي معايا يا سمر بدل ما أطلقك الليلة دي! أنتِ وأمك هتودونا في داهية وتضيعوا بيتي عشان غلك وطمعكم! إحنا مالناش دعوة بالموضوع ده تاني! ركبت سمر السيارة رغماً عنها مع زوجها وغادرت، وبقيت أم محمود واقفة وحدها في الشارع، تنظر حولها فلا تجد أحداً يساند باطلها، والعيون تحاصرها بالاحتقار والازدراء من كل جانب.

اضطرت لسحب طرحتها وهرولت راجعة إلى شقتها وهي تتخبط في خطواتها. جلس عبير في غرفتها تطل من خلف الستارة، ورأت نهاية تلك المحاولة البائسة. تنفست الصُعداء واستشعرت قيمة الأهل والظهر والسند. لكن القضية لم تنتهِ عند هذا الحد، فالحكم النهائي في قضية التشهير والتبديد كان يستعد للصدور في الأسبوع القادم، ومحمود المزنوق في زاوية الضغط المادي والنفسي كان يجهز لمفاجأة أخيرة ستقلب الموازين وتحدد مصير الجميع بشكل غير متوقع.

مرت الأيام الثقيلة كأنها أدهار، وجاء الأسبوع الموعود بالنطق بالحكم النهائي في قضية جنحة التشهير على مكان العمل وقضية تبديد المنقولات الزوجية. كانت أروقة المحكمة تعج بالناس، وأصوات المرافعة تصدى في جدران القاعة العالية، بينما كان التوتر يسري في أجساد الجميع كتيار كهربائي لا يرحم. كان محمود يجلس على أحد المقاعد الخشبية المتهالكة في الممر الخارجي للقاعة، ينظر إلى الأرض بعينين زائغتين، وقد ظهرت الهالات السوداء تحت عينيه بجلاء، وانحنى ظهره وكأنه يحمل جبالاً من الخيبة والندم.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
936مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة