دخلت أوضة شهد، لقيتها نايمة وغرقانة في النوم، وحاطة إيدها تحت خدها. قعدت جنبها ومسدت على شعرها، وحلفت في سري إني مش هسمح لأي حد ياخد حقي ولا حق البنت دي. طلعت أجندة قديمة كنت بشيل فيها فواتير الزيت والصويا وورق عربية الطعمية، وفتحت الموازنة الجديدة.. موازنة الانتقام. بعد ساعة، سمعت صوت المفاتيح في الباب. سيد دخل، كان شكله مجهد بس في عينيه لمعة غريبة، لمعة واحد بيخطط لحاجة كبيرة.
دخل المطبخ ورما نفسه على الكرسي وقال بصوت تمثيل متقن: * "تعبان يا مريم.. المستشفى والتحاليل جابوا أجلي، والدكتور بيقول لو ما زرعناش الكلية الأسبوع الجاي، الوضع هيساء أوي."طلعت من المطبخ وبصيت في عينيه بثبات ما عرفتوش في نفسي قبل كده، وقلتله: * "سلامتك يا سيد. . الف سلامة عليك. كل حاجة مترتبة ومتقفلة، والدكاترة مطمنين.
"قرب مني ومسك إيدي، الإيد اللي كان بيرميها ويقول ريحتها زيت وقلي، وقال بنبرة حنينة زيادة عن اللزوم: * "إنتي الأصيلة يا مريم.. العيلة دي كلها كوم وإنتي كوم، أنا مش عارف من غيرك كنت هعمل إيه."سحبت إيدي ببطء وكأني بعدل الطرحة، وقلتله: * "ربنا يقدم اللي فيه الخير.. أنا رايحة أنام عشان ورانا مشوار مبكر للمستشفى بكره."في الليلة دي ما غمضليش جفن.
قعدت ألمح الرسايل القديمة والتسجيلات. أفتكرت لما كان بيرجع ورائحة البرفيوم الحريمي طالعة منه، ولما كانت الحاجة زكية بتقول "الراجل بيزهق". الرسامة الكبيرة كانت مكتملة، بس الناقص كان تفاصيل اللعبة الكبيرة اللي يلعبوها عليا. تاني يوم الصبح، الحاجة زكية جات البيت. كانت لابسة عبايتها السمرا ومتشيكة، ومجهزة شنطة فيها مصاحف وأدعية، وتمثيلية الخوف على ابنها كانت واصلة للقمة. قعدت على الكنبة وقالت: * "يا مريم.
. الدكتور قال إن الأوراق خلاص اتعلم عليها في وزارة الصحة، وكل حاجة جاهزة. إنتي متأكدة إنك مش خايفة؟"رديت وأنا بصب الشاي: * "أخاف من إيه يا حاجة؟ ده واجبي تجاه جوزي وأبو بنتي.. ولا إنتي شايفين حاجة تانية؟"اتربكت الحاجة زكية وبصت لسيد بسرعة، وقالت: * "لا يا حبيبتي.. واجب ونص، ربنا يجعله في ميزان حسناتك."بعد الضهر، استأذنت وقلت رايحة أشتري حاجات للمطبخ وأجيب علاج لشهد.
بس رجلي ما راحتش السوق، راحت لمكتب محامي قديم في المطرية، راجل طيب وكبير في السن اسمه الأستاذ عبد المجيد. قعدت قدامه وحكيت له كل حاجة، من أول عربية الطعمية، لغاية الولد أبو ديناصور، والدوسيه الأصفر، واسم "ياسين". الأستاذ عبد المجيد حط النظارة على مناخيره، وبص في الأوراق والرسايل اللي صوّرتها، وسكت شوية وبعدين قال: * "يا مريم.. القانون صارم جداً في موضوع نقل الأعضاء.
ممنوع منعا باتا نقل أي عضو من حي لحي إلا إذا كان في قرابة شديدة أو موافقة صريحة من اللجنة الطبية العليا، وبشرط إن التبرع يكون بدون مقابل وإنه يروح للشخص المحدد في الأوراق. لو الكلية هتروح لشخص تاني غير جوزك، يبقى فيه تزوير في أوراق رسمية، وفيه شبكة مافيا كاملة شغال فيها دكاترة وموظفين، وجوزك وحماتك مجرد سماسرة أو مستفيدين!"الجملة نزلت عليا زي الثلج. * "يعني إيه يا أستاذ؟ يعني كليتي مش هتتزرع لسيد؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.