حكايات رشا خالد 1

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

أول حاجة غريبة حصلت كانت يوم خميس. الحاجة زكية جات ومعاها دوسيه أصفر وادته لسيد في المطبخ. وأنا بغسل المواعين لمحت ورقة عليها اسمي، وتحت اسمي كان مكتوب اسم ياسين. سألتهم مين ياسين ده؟حماتي قفلت الدوسيه بسرعة وقالت ده عيل في المستشفى، إنتي إيه اللي حشر مناخيرك في اللي مالكيش فيه؟قلت لها أنا شفت اسمي مكتوب. سيد قام وقف بسرعة دي إجراءات ورقية يا مريم، إنتي مش هتفهمي في لغة الدكاترة، بلاش أوهام.

مسكت نفسي وسكت. بالليل، وسيد في الحمام، فتشت جيوب بنطلونه. لقيت ورقة مطبقة فيها عنوان في المهندسين وملحوظة بخط إيده الجمعة الساعة 6.. هاتي شهادة ميلاد ياسين. صورت الورقة بالموبايل.. ومطقتش بكلمة. يوم الجمعة مشيت وراه. أيوة، مشيت وراه زي الستات المجنونة اللي كان بيقعد يتريق عليهم. ركبت ميكروباص ولبست كاب بتاع شهد ونضارة شمس رخيصة. سيد نزل في شارع هادي في المهندسين، عمارات قديمة وشجر عالي. ضــ,,ـــــرب جرس شقة.

فتحت له ست صغيرة في السن. لا كانت ممرضة، ولا دكتورة. كانت زي القمر، شعر طويل، ضوافر حمراء، ولابسة روب ستان بمبي. ومن وراها طلع ولد صغير رفيع، يجي عنده 8 سنين، شايل في إيده لعبة ديناصور. الولد صرخ بفرحة بابا!.. واترمى في حــ,,ـــــضن سيد. حسيت إن الأرض بتلف بيا. بابا؟سيد جوزي؟وقفت في ركن الشارع، رجلي بتترعش وضــ,,ـــــربات قلبي زي الطبول.

شاله والست حطت إيدها على كتفه ودخلوا وقفلوا الباب. فجأة كل حاجة نورت في دماغي..................... وقف الزمن في المكان ده. الشارع كان هادي ورائحة الشجر العالي طالعة مع نسيم بليل، وأنا واقفة في الركن ورا شجرة تحميني من عيون الناس، وجمالي كله مات في اللحظة دي. الكلمة فضلت ترن في ودني زي صدى صوت في بئر مهجور: "بابا!

".. الولد أبو ثمان سنين اللي شايل ديناصور، كان بيقول لسيد "بابا".. نفس سن شهد بنتي! نفس الشقا ونفس الملامح ونفس النظرة. رجلي ما شالتنيش. قعدت على الرصيف وسندت ضهري على سور العمارة مجروحة، إيدي بتترعش وأنا ماسكة التليفون اللي صوّرت بيه العنوان. الدموع ما نزلتش، كانت المحروقية في صدـ,,ـــري أكبر من أي دموع.

طلعت الموبايل وإيدي بتخبط في الشاشة، صوّرت العمارة من بره، واليافطة اللي متعلقة جنب الباب، وصوّرت جرس الشقة اللي مكتوب عليه بخط يده: "سيد عبد الرحمن". كان كاتبه بنفس الخط اللي بيسجل بيه مصاريف عربية الدليفري. وقفت وصحيت من صدمتي على صوت عقل بيقولي: "الدموع مش هتجيب حق شهد، الدموع هتضيع الكلية وتضيع حياتك". مسحت وشي بأطراف طرحتي، ومشيت بعيد عن العمارة بخطوات قتيلة، وركبت الميكروباص راجعة عزبة النخل.

طول الطريق والميكروباص بيتزق في الزحمة، كنت بفتكر كل كلمة قالتهالي الحاجة زكية، كل تريقة، كل مرة كانت تقولي فيها "ابني سيد يستاهل سيدات المجتمع، مش بياعة طعمية"، وكنت بفتكر إصرارها إن الدوسيه الأصفر يفضل مستخبي. وصلت البيت قبل ما سيد يرجع. دخلت أوضة شهد، لقيتها نايمة وغرقانة في النوم، وحاطة إيدها تحت خدها. قعدت جنبها ومسدت على شعرها، وحلفت في سري إني مش هسمح لأي حد ياخد حقي ولا حق البنت دي.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
949مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة