خرجت من باب المحكمة، والنور كان غامر الشارع بشكل مختلف.. كأن الشمس طالعة مخصوص عشان تباركلي على نسختي الجديدة. الورقة اللي في إيدي، وثيقة الطلاق، ما كانتش مجرد ورقة رسمية؛ دي كانت شهادة ميلادي الحقيقية. مشيت بثبات لحد المحطة، وركبت المواصلات ورايحة على شغلي في المشغل. أيام المشغل كانت شاقة، بس كل نقطة عرق كانت بتنزل مني كانت بتغسل بقايا عواطف القديمة.
كنت بشتغل بضمير وبتركيز، وصاحب المشغل لاحظ جديتي ونظافتي في الشغل، فبدأ يعتمد عليا في حاجات أكبر، ومع كل زيادة صغيرة في المرتب، كنت بحس بالاستقلال والحرية اللي انحرمت منهم عمري كله. بعد كام أسبوع، وأنا قاعدة على المكنة بوضب الشغل، حست الحركة بره المشغل مش طبيعية. طلعت أشوف فيه إيه، ولقيت واحدة واقفة عند الباب وشها مدفون في الشال وبتسأل عليا بصوت بيترعش.
أول ما قربت منها ورفعت الشال عن وشها.. اتسمرت مكانتي. كانت أمي. كابوس الماضي واقف قدامي، بس المرة دي ما كانش فيه القسوة ولا الوش الجامد اللي كان بيكسرني زمان. كان وشها مجهد، ومكسور، والزمن حافر فيه علامات الضعف. بصتلي بعينين مليانة دموع وقالت بصوت هادي، من غير زعيق ولا أوامر: ـ “عواطف.. يا بنتي.” وقفت قدامها بثبات، إيديا في جيبي، ووشي ما عليهوش أي تعبير: ـ “نعم يا أمي.. خير؟
” حاولت تقرب تمسك إيدي، بس أنا رجعت خطوة لورا بالراحة من غير ما أترعب. الدمعة نزلت من عينها وقالت: ـ “منير اتحكم عليه بالسجــ,,ـــــن.. وأهله أكلوا وشي في المنطقة، والناس كلها بقت تشاور عليا وبتقول دي اللي بنتها فضحت جوزها. أنا جيت أقولك تعالي ارجعي البيت معايا.. السكة دي مش سكتك يا عواطف، البنت مالهاش غير بيت أهلها.
” ابتسمت الابتسامة الهادية اللي اتعلمتها في أيامي الأخيرة، وقلت بصوت واثق ومسموم بالحق: ـ “بيت أهلي؟ البيت اللي كنتِ بتكتفيني فيه عشان أضــ,,ـــــرب وأتهان؟ البيت اللي كل ما أستنجد بيكي تدوس عليا أكتر؟ لا يا أمي.. عواطف اللي كانت بتترعب من كلمة ‘حاضر’ ماتت في الليلة اللي اتكتفت فيها قدام جوزها.” مسحت دموعها وهي بتتكلم بسرعة: ـ “أنا كنت بربيكي! كنت عايزاكي تعيشي وتستحملي عشان بيتك ما يتخربش!
” ـ “التربية مش ذل يا أمي.. والستر مش إهانة. أنتِ ما ربيتنيش، أنتِ كسرتيني وحطيتيني تحت جزمة راجل ما يصونش. والنهاردة أنا طالعة من تحت الركام ده بفضلي أنا، مش بفضل حد.” سكتت أمي ومش عارفة ترد، الذهول كان واكل وشها من الشجاعة والنطق اللي بقيت فيه. كملت كلامي وأنا ببص في عينها مباشرة: ـ “أنا مش زعلانة منك، ولا شايلة في قلبي غل.
. بس أنا اخترت حياتي خلاص. شغلي بيسترني، وأوضتي المفروشة أحسن عندي من ألف قصر أتذل فيه. لو عايزه تطمني عليا كأم، أهلاً بيكي تسألي عليا بالتليفون من وقت للتاني.. لكن تحكمات وإني أرجع أكون خيالة ضل عندك، ده زمن وانتهى.” لفت أمي وشها ومشت بخطوات تقيلة ومكسورة، وأنا وقفت أتابعها وهي بتبعد..
لأول مرة بحس إن الظل الكبير اللي كان مرعبني طول حياتي، طلع مجرد وهم وانتهى بمجرد ما قررت أقف على رجلي. رجعت لترابيزتي في المشغل، مسكت القماش كملت شغلي، وأنا حاطة خطة للمستقبل: هكبر في شغلي، وهأجر شقة صغيرة ملكي، وهبني حياة كاملة بصنعة إيدي وبكرامتي.. من غير ما أجبر أقول “حاضر” لشيء يكسرني تاني.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.