فتحـت الرسالة وأنا قاعدة في الصالون الجديد اللي أجرته للبنات بعيد عن عينيه وعن أي مكان يعرفه. كانت رسالة منه، حروفها بتترعش من الخوف والكسرة: “ياسمين.. أرجوكي ردي عليا. أنا في مصيبة، شرطة في كل مكان وأنا محبوس في البيت مش عارف أخرج بالشنطة. وتعالي خدي فلوسك ومش عايز منها مليم، بس انقذيني من البلاغ ده.. أنا جوزك وأبو بناتك!
” ابتسمت بمرارة وأنا بقرأ جملة “أنا جوزك وأبو بناتك”. الجملة دي بالذات اللي كان بيفتكرها بس لما يحب يبتزني بيها أو يغطي بيها على طمعه. قفلت التليفون تماماً وشلت الشريحة القديمة، وحطيت شريحة جديدة ما حدش يعرف رقمها غير الأستاذ فريد المحامي. في نفس اللحظة، كان الشارع اللي فيه بيتنا القديم مقلوب. سيارة الشرطة واقفة تحت العمارة، ومعاهم مستشار الشؤون القانونية لشركة “الراوي للمقاولات”.
عصام كان واقف ورا ستارة الشباك فوق، ركبه بتخبط في بعضها، وشايف الضباط وهما نازلين من العربيات وطالعين على السلم. حاول يستخبى في أوضة النوم، يرمي الشنطة تحت السرير، يكسر خط التليفون.. كان بيتصرف بتخبط وغباء مجنون. الباب اتخبط بدبش وصوت نداء رسمي: “افتح يا عصام! معاك قوة من المباحث وأمر نيابة ضبط وإحضار!” لما فتح الباب، وشه كان شاحب زي الموتى، وجسمه غرقان عرق.
الضابط دخل ومعه قوة التحريات، وفي أقل من خمس دقائق كانت شنطة الـ ٩٠٠ ألف جنيه مطلعينها من تحت السرير، ومحروث في المحضر: “ضبط المتهم وبحوزته المبلغ المتحصل من جريمة التزوير والاستيلاء على أموال الشركة”. عصام صرخ بعلو صوته وهو بيتسحب بالحديد في إيده: “والله ما كنت أقصد الشركة! أنا كنت فاكرها فلوس مراتي! مراتي هي اللي ورطتني! ياسمين هي اللي عملت فيا كده!
” رد عليه ضابط المباحث بجمود وهو بيزقه قدامه: “مرتك مين يا روح أمك؟ التوكيل اللي اتسحبت بيه الفلوس توكيل خاص بيك، وأنت اللي بطلعتك ومضتك وإبهامك سحبت عهدة شركة المقاولات من الفرع، والموظف اعتراف عليك إنك ضغطت عليه واستغليت معرفتك بيه. التهمة ثابته عليك بالصوت والصورة وأوراق البنك.. قدامنا على القسم!
” على الجانب التاني، كنت أنا مع الأستاذ فريد في مكتب وكيل النيابة، بنقدم بلاغ رسمي ومحضر إثبات حالة بالتهديدات والرسائل الصوتية اللي كان بعتهالي على تليفوني وهو بيهددني بـ “إنتي عارفة هعمل إيه فيكي وفي العيال”، بالإضافة لإثبات استيلائه على بطاقتي الشخصية وتوكيل سابق ملغى. وكيل النيابة بصلّي وقال: “يا مدام ياسمين، المتهم مقبوض عليه حالياً على ذمة قضية اختلاس وتزوير وتحصيل أموال بدون وجه حق من شركة المقاولات، وموقفه القانوني معقد جداً لأن الشركة رفضت تماماً التنازل عن البلاغ حتى بعد استرداد المبلغ، ومصرين على محاكمته بتهمة خيانة الأمانة والتزوير في محررات بنكية.
بالنسبة لطلباتك؟” رد الأستاذ فريد بثبات: “بنسجل دعوى طلاق للضرر فورية يا فندم، مع تمكين المدعية من شقة الزوجية لحضانة الصغار، وقضية نفقة أقارب وصغار، وتثبيت حظر التعامل على أي ممتلكات باسم المتهم لحين استيفاء حقوق البنات.” خرجت من مجمع المحاكم والشمس بدأت تغرب. حست بقلبي بيتنفس من جديد. الفلوس بتاعة تعويض أبويا كانت أمان وزي ما هي، مربوطة في حساب مغلق باسم بناتي، وعصام اللي كان فاكر إنه هيملك الأرض والسما بطمعه، بقى مهدد بسنوات سجن مش هيخرج منها بسهولة.
بعد يومين، جالي اتصال في الشقة الجديدة من حماتي.. كانت بتبكي وتصرخ بصوت هستيري: “الحقيني يا ياسمين! ابني محبوس ومهدد بـ ٧ سنين سجن! تبوسي إيدك وش وظهر وتدخلي الواسطة وتتنازلي عن البلاغات اللي عملتيها عشان يخرج! ده جوزك!” رديت عليها بصوت هادي وواثق، صوت الست اللي اتولدت من جديد بعد سنين القهر: “ابنك ما اتظلمش يا حاجة.. ابنك حصاد أيديه وطمعه.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.