كريم لم كل حاجته بدقة غريبة، وماسابش وراه غير ريحة برفانه في الجو. وعلى الصبح… حتى الريحة دي اختفت. افتكرت إن بكرة الجمعة، ميعاد المركز. مركز اسمه بداية جديدة، اسم كان دايماً بيضايقها ويقفلها، وكانت حاسة إنه تريقة وسخرية أكتر منه أمل. غسلت وشها، لمت شعرها، ولبست البالطو بتاعها. بصت لنفسها في المراية وش عادي جداً، فيه شوية صفار وشحوب زيادة، عينين بني، شعر غامق، واعوجاج صغير في مناخيرها.
زمان كانت بتكرهه ومدايقة منه… دلوقتي بقى مجرد حتة منها وخلاص. في الأتوبيس كانت بتبص من الشباك على الشوارع الزحمة، والناس اللي راجعة من شغلها وتعبانة، وأم ماسكة إيد بنتها الصغيرة ومعدية الشارع. كل حاجة زي ما هي برة، بس هي كانت حاسة إنها بتتفرج على الدنيا من ورا لوح إزاز سميك قوي. لما دخلت للدكتورة سلوى فؤاد، الدكتورة بصت لها من فوق النضارة وقالت يا منة… النتيجة ظهرت.
بجد؟ ابتسمت الدكتورة ابتسامة خفيفة المحاولة نجحت. سكتت منة تماماً، ودانها بدأت تزن وصوت الدكتورة بقى بعيد. منة؟ سامعاني؟ أيوه… يعني نجحت؟ أيوه… وفي حاجة كمان. وقفت الدكتورة ثانية قبل ما تكمل واضح إن التلاتة ثبتوا. منة فضلت ساكتة. كل حاجة حواليها بقت هادية وساكتة بشكل غريب. تلاتة؟ همست بصوت واطي. لسه بدري نأكد، بس بنسبة كبيرة جداً… توأم ثلاثي. فضلت قاعدة في مكانها مش بتحرك.
الأفكار كانت بتعدي قدام عيونها واحدة واحدة كريم مشي خلاص، المفاتيح فوق الترابيزة، في البيت فيه لبن وبيض، وهي عندها تلاتين سنة، وجواها… تلات أطفال. ماشي قالتها بهدوء. في طريق الرجوع، قعدت جنب الشباك. وبعد نص السكة تقريباً… الدموع نزلت لوحدها من غير ما تحس. الراجل اللي قاعد قدامها بص في موبايله وعمل نفسه مش شايف، وست كبيرة حودت وشها الناحية التانية علشان ماتحرجهاش.
كل واحد اتصرف بالطريقة اللي شايفها صح، لأن فرحة الناس ساعات بتبقى أصعب وأغرب من حزنهم. منة نفسها مكنتش عارفة دي فرحة ولا صدمة، يمكن الاتنين مع بعض مخبوطين في خلاط واحد. لما وصلت البيت، اتصلت بأمها، الحاجة فاطمة، اللي عايشة في بلد صغيرة في الصعيد. كريم ساب البيت قالت منة. سكات طويل على الخط. سابه خالص؟ خالص. راح لنرمين… وطلعت حامل. سكات تاني أطول. وإنتِ؟
أخدت منة نفس عميق وملت صدرها هوا وأنا كمان حامل… وغالباً في تلاتة. من الناحية التانية مطلعش غير صوت واحد بس يا ساتر يا رب… ضحكت منة لأول مرة من أيام تقريباً ده نفس اللي قلته بالظبط لما عرفت. وهتعملي إيه يا بنتي؟ بصت للريحان اللي بدأ يدبل ويموت على الشباك، وقالت بهدوء شديد وثقة هولدهم… وأربيهم.
مرّت تلات شهور… وبطن منة بدأت تبان. حياتها اتشقلبت، بس الغريب إنها لأول مرة من سنين بقت تنام من غير ما تعيط. كانت كل زيارة للدكتورة بتأكد إن الحمل ماشي كويس، وإن التلاتة بيتابعوا نموهم كويس رغم إنه حمل متعب. أما كريم… فكان عايش حياته مع نرمين، ينزل صور أكل وخروجات، ويكتب تحتها الحمد لله على نعمة الاستقرار. ومنّة كانت كل مرة تشوف حاجة من دي… تقفل الموبايل، ولا تعلق، ولا حتى تدعي عليه.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.