هو كان عارف إنكم هتدوروا عليها، وعشان كده ما حطش التسجيل هنا. أبويا اندفع ناحيتي. لكن قبل ما يوصل، الباب اتفتح. دخل الأستاذ رأفت ومعاه الشرطة. طلع التليفون وقال: ـ المكالمة اللي بينا من ساعة كانت متسجلة بأمر النيابة. أبويا وقع على الكرسي. منة فضلت واقفة مش قادرة تتكلم. أما أنا، فبصيت للصندوق. ولأول مرة فهمت ليه جدي قال لي: “لو الناس فاكرين سكوتك ضعف، سيبيهم على هبلهم.
” بعد أسبوعين، الشركة اتجمدت حساباتها، وبدأ التحقيق في كل المستندات. أبويا ومنة اتحاسبوا على التزوير والاختلاسات. أما أنا… فدخلت الشركة لأول مرة بصفتي المالكة القانونية للحصة اللي تركها لي جدي. وأول قرار خدته كان إني أسدد ديون الموظفين اللي اتظلموا، وأرجع حقوق الناس اللي اتاخدت منهم فلوس بغير حق. وفي يوم رجعت فيه البيت القديم لأول مرة، لقيت أمي واقفة على الباب.
كانت بتعيط. قالت: ـ سامحيني يا مريم. بصيت لها طويلًا. وقلت: ـ أنا مش هنسى اللي حصل. سكتت. ثم كملت: ـ بس مش هخلي اللي عملتوه فيا يخليني أبقى شبهكم. ومشيت. قبل ما أركب عربيتي، بصيت للسماء. ماكانش فيه تلج. كانت الشمس طالعة. وافتكرت صباح العيد اللي طردوني فيه وأنا فاكرة إنهم كسروني. لكن الحقيقة… إنهم يومها كانوا بيفتحوا لي الباب لأول مرة على حياتي الحقيقية.
االخاتمة عدّى شهر كامل على اليوم اللي اتغيرت فيه حياتي. شهر واحد بس، لكنه كان كفاية يخليني أحس إني عشت سنين. الشركة اللي كان أبويا بيعتبرها ملكه، اتفتح فيها تحقيق كبير، وكل الملفات اللي كان مخبيها جدي ظهرت واحدة ورا التانية. الأغرب إن جدي ما كانش سايب لي فلوس وبس. كان سايب لي الحقيقة. الحقيقة اللي أهلي حاولوا يدفنوها سنين.
أبويا اعترف بكل حاجة. اعترف إنه استغل ثقة جدي، وزور أوراق، وسحب مبالغ من حسابات الشركة، وحاول يخلي كل حاجة تبان كأنها ملكه. أما منة، فكانت عارفة جزء كبير من اللي بيحصل. هي اللي كانت بتوصل له أخباري. وهي اللي كانت بتقنعه إني مجرد بنت فاشلة ملهاش مستقبل. وفي الآخر، لما كل حاجة اتكشفت، ما بقاش فيه عربية فخمة تنفع تخبي الحقيقة، ولا لبس غالي ينفع يمسح دموع الناس اللي اتظلمت.
أما أمي… فكانت أكتر واحدة . لأنها ما كانتش جاهلة. هي كانت عارفة. كانت عارفة إن أبويا بيظلم جدي. وعارفة إن منة بتتعالى عليا. وعارفة إني أنا اللي كنت بصرف على علاجها. ومع ذلك، اختارت تسكت. بعد شهر، جت لي الشركة. وقفت قدامي وهي ماسكة كيس صغير. قالت: ـ جبت لك حاجة. فتحته. كان جواه أول مريلة لبستها وأنا صغيرة.
ضحكت رغم دموعي. قلت: ـ إنتِ لسه محتفظة بيها؟ قالت: ـ جدك هو اللي كان محتفظ بيها. سكت. مدت إيدها وطلعت ورقة صغيرة. ـ دي لقيتها بين حاجاته. فتحتها. كان خط جدي. “يا مريم… لو سامحتِ أهلك يومًا، سامحيهم عشان نفسك، مش عشان هما يستحقوا. الغفران مش معناه إنك ترجعي تثقي في اللي كسرك. الغفران معناه إنك تكملي من غير ما الكراهية تشيلك معاها.
” قعدت مكاني وعيطت. لأول مرة، حسيت إن جدي مش بس ساب لي شركة. هو ساب لي طريقة أعيش بيها. بعدها قررت أبيع جزء من أسهمي، وأعمل مشروع صغير باسمي. مشروع أساعد فيه البنات اللي اضطروا يسيبوا شغلهم، واللي اتقال لهم إنهم فاشلين لمجرد إنهم وقعوا مرة. وكنت كل يوم لما أشوف بنت داخلة المكان بخوف، أفتكر نفسي وأنا واقفة على عتبة بيت أهلي والثلج بينزل فوق راسي. وأقول لها: ـ متخافيش من البداية من الصفر.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.