رد الجميل شروق خالد

نُشر منذ 22 ساعة
حفظ
غلاف المقال

ضحيّت بـ 22 سنة من عمري وأنا بربي بنات أخويا التوأم الثلاثي.. واللي عملوه يوم تخرجهم من الجامعة خلاني أقع على ركبي من الصدىمة. البنات كان عندهم ست شهور بس لما أخويا سابهم قُدام باب شقىتي مع تلات كراسي أطفال، وشنطة حفاضات واحدة، ورقة مكتوبة على ضهر فواتير بنزين:“أنا آسف يا نوح.. مش قادر أتحمل المسؤولية دي”.أمهم كانت مىاتت قبلها بـ حداشر يوم بس، وأخويا ما استحملش أكتر من أسبوعين.

كنت وقتها شاب عندي 27 سنة، مش متجوز، عايش في شىقة بسيطة فوق محل الموان والحديد والبويات اللي شغال فيه في وسط البلد، ومعيش في حسبي غير 312 جنيه في المحفظة، ومعنديش أي فكرة الببرونة بتتجّهز ازاي! جارتي أم محمد شافتني وقالتلي: “يا نوح يا ابني، أنت مش هتعرف تربي تلات بنات لوحدك.. ده حمل يهد جبال”.

#حكايات_شروق_خالد كلامها كان صح ومنطقي جداً، بس قبل ما أرفع سماعة التليفون وأكلم ملجأ أو حد من قرايبنا، أصغر واحدة فيهم مسكت صباعي بإيدها الصغيرة وضغطت عليه.. في اللحظة دي قلبي اتخىطف، وقررت إني مش هسيبهم. وهنا بدأت الرحلة.. بقيت “عمو نوح”، وبعدين بالصدفة ومن غير ما أحس بقيت “بابا”. وعلى مدار 22 سنة، كنت أنا اللي بعمل السندوتشات الصبح، وبسرحلهم شعرهم وضفايرهم بتطلع باظة، وبشتغل ورديتين ورا بعض عشان أكفي مصاريفهم.

سهرت جمبهم في السخونية، ورحت معاهم معارض العلوم في المدارس، واستحملت قمصتهم وزعلهم، وعديت بـ تلات مراحل مراهقة صعبة كانوا فيهم هما التلاتة بيكرهوني في نفس الوقت! عمري ما رحت فرح حد من صحابي، ولا طلعت مصيف، ولا جاتلي فرصة أتجوز وأعمل عيلة خاصة بيا.. مش عشان هما طلبوا مني كده، لأ، عشان كان لازم حد يفضل واقف جمبهم ويحميهم.

يوم التخرج، كان الشعر الأبيض ملى دقني، وركبتي بتوجعني من الوقفة، وماسك في إيدي كاميرا قديمة ومستعملة وإيدي عمالة تترعش من الفرحة والخوف. البنات طلعوا على مسرح الجامعة واحدة ورا التانية.. ملك.. فريدة.. نور.. تلات توائم، بس مفيش واحدة شبه التانية في الطبع. ملك عيطت من قبل ما ينطقوا اسمها حتى. فريدة شاورتلي وفضلت تضحك زي ما تكون لسه بنت عندها 8 سنين.

أما نور، فكانت ملامحها جد قوي، وكأنها شايلة في إيدها حاجة أتقل بكتير من مجرد شهادة التخرج. وفجأة، بعد ما الكل افتكر إن الحفلة خلصت، عميد الكلية رجع تاني للميكروفون وقال: “معانا فقرة تانية أخيرة قبل ما نختم الحفلة”. لقيت البنات التلاتة رجعوا طلعوا على المسرح مع بعض، ونور مسكت الميكروفون وقالت بصوت قوي هز القاعة: “أبونا مكنش يقدر يكون معانا النهاردة.

.” في اللحظة دي، ملك طلعت ورقة متطبقة من كم الروب بتاع التخرج بتاعها، وفريدة حطت إيدها على بوقها وبدأت تعيط. نور كملت كلامها وقالت: “بس احنا لقينا الورقة اللي سابها وراه من 22 سنة..”. ولما بدأت تقرأ أول سطر مكتوب فيها بصوت عالي قُدام الدفعة كلها، الدنيا لفت بيا.. وركبي خىانتني ووقعت في الأرض مش مصدق اللي بسمعه!

نور قربت من الميكروفون، وصوتها كان بيترعش بس مسموع في القاعة كلها اللي فجأة ساد فيها هدوء غريب.. بدأت تقرأ السطور اللي في فواتير البنزين القديمة: “أنا آسف يا نوح.. مش قادر أتحمل المسؤولية دي.. أنا همشي، بس مأمنك على حتة من قلبي.. البنات دول ملهومش غيرك، وأنا عارف إنك هتبقى ليهم أب أحسن مني بمليون مرة”.

الناس في القاعة بدأت تبص لبعضها وتهمس، بس نور مسكت الميكروفون بأقوى وكمّلت وهي بتبص في عيني مباشرة وسط الزحمة: “الورقة دي سابها الشخص اللي خلّفنا.. سابنا وهرب عشان كان جبان. بس الراجل اللي ربى، الراجل اللي شال، الراجل اللي ضحى بعمره وشبابه وصحته وفلوسه عشان نكبر ونبقى واقفين على رجلينا النهاردة.. قاعد وسطكم دلوقتي”. في اللحظة دي، فريدة شاورت عليا بإيدها وهي بتعيط وصوتها مسموع: “الراجل ده هو عمنا.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
931مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة