الخبط على الباب بقى زي الدق على دماغي.. صوت الخشب وهو بيزيق وينكسر كان بيعلن إن الثواني الباقية في عمر الحقيقة دي معدودة. أبويا قرب مني، وعينه مليانة دموع مش دموع ندم، دي كانت دموع خوف على نفسه وعلى ابنه اللي فضله عليا طول عمره.. مسك إيدي بقلة حيلة وقال بصوت مبشوح: «يا ليلى يا بنتي.. أرجوكي، امضي على أي ورقة نلحق بيها الشقة، الناس دول مش بيهزروا!
لو طلعتلهم إيدك فاضية، هيقتلوا سامح وهياخدوا البيت فوق دماغنا! سامحي أبوكي المرة دي بس أنقذينا!» أمي جرت عليا وحضنت رجلي وهي بتصرخ: بقلم مـنال عـلي «أبوس إيدك يا ليلى! سامح أخوكي الكبير، ده سندنا! مش مهم الشقة ولا الفلوس، المهم نخرج من المصېبة دي حيين!» بصيت لأمي، اللي عمري ما شفتها بتحضن رجلي أو بتترجاني، بس كانت بتترجاني عشان خاطر ابنها..
أما أنا، فكانت مستعدة ترميني في الشارع أو تخليني أدفع ثمن غلطة ماليش ذنب فيها. سارة شدتني قوة من إيدي وقالتلي وهي بتبص في عيني بصرامة مشفتهاش منها قبل كده: «ماتضعفيش يا ليلى! لو مضيتي دلوقتي، مش بس هيرموكي.. هيلبسوا فيكي القضايا والشيكات كلها! سامح هربان أصلًا خارج القاهرة وأبوكي بيضحك عليكي! تعالي معايا فكي الأكرة من المطبخ وهننزل من سلم الخدم الخلفي!
» وفجأة.. الباب اتكسر بضړبة قوية! دخلوا ثلاثة رجالة طوال، ووجوههم غامقة ومليانة قسۏة. الراجل اللي كان يتزعمهم بصلنا بنظرة مرعبة، ومسك أبويا من رقبة قميصه ورفعه لفوق: «فين التوكيل يا حاج منصور؟ خلصنا! الوقت خلص!» أبويا شاور عليا وهو بيترعش وشبه مغمى عليه: «هي.. هي صاحبة الشقة.. الورقة معاها..» الراجل بصلي وقرب مني خطوات، وهز راسه وقالي ببرود يخوف: «إنتِ ليلى؟
اسمعي يا بت الناس.. أخوكي واخد مننا فلوس بضاعة وكاتب شيكات، وأبوكي باعلنا الشقة وتعهد يجيبلنا التوكيل منك. امضي التوكيل هنا، ونمشي ونسيبكم في حالكم، يا إما العيلة دي كلها مش هتشوف الشمس تاني.» الهدوء ساد اللحظة دي.. صوت صړيخ أمي وقف، وسارة كانت ماسكة في ضهري بتترعش، وأبويا باصصلي بنظرة رجاء أخيرة. في اللحظة دي، شفت شريط حياتي كله بيمر قدام عيني: الأكل البارد اللي كنت باكله.
. الضړبة اللي خدتها قدام أختي.. القسۏة اللي عشت فيها سنين.. وشقايا اللي بيروح في إيجار البيت ده عشان يلاقوا مكان يعيشوا فيه. عرفت إن اللحظة دي هي لحظة اختياري الوحيدة: يا إما أفضل الضحېة طول عمري، يا إما أقف وآخد حقي وأوقف القهر ده. خدت نفس عميق، ورفعت رأسي فوق، وبصيت للراجل بثبات لأول مرة في حياتي وقررت أرد: «أنا مش همضي على حاجة.» أبويا صړخ: «ليلى!! أنتِ جنيتي؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.