رفعت عيني له. غيرت وصيتها؟ ضحك بسخرية. أيوه. المحامي فتح الملف. قبل ۏفـ,ـاتها بثلاث أيام، المحامي اللي كان بيتابع شؤون والدتك بعت لك نسخة من الوصية الجديدة؟ طارق قال أيوه. وبص لي مباشرة. وأعتقد إنك عارفة هي كتبت إيه. قلت والله ما أعرف. ابتسم ابتسامة باردة. بلاش تمثلي. المحامي تدخل إحنا مش بنتهمك بحاجة. لكن بما إن فيه مساعدات مالية منتظمة حصلت لصالح السيدة فاطمة، فلازم نتأكد إن ما كانش فيه تأثير غير مناسب عليها.
بصيت له باستغراب. مساعدات مالية؟ طارق رد إنتِ دفعتي فواتيرها ست سنين. عشان الميه ما تتقطعش عنها. وليه؟ لأنها كانت جارتي. طارق قرب خطوة. وإنتِ كنتِ مستنية إيه في المقابل؟ بصيت له. ولا حاجة. ولا البيت؟ سكت. ولا الفلوس؟ ولا حاجة. أمال عملتي كده ليه؟ قلت عشان ما كانش ينفع أسيب ست عندها 84 سنة من غير ميه. طارق قال پغضب أمي كانت ضعيفة وسهل التأثير عليها.
الكلمة دي استفزتني. قلت له أمك كانت كبيرة في السن، آه. لكن عمرها ما كانت ضعيفة. المحامي بص لي وقال طيب، عندك أي دليل إن السيدة فاطمة كانت واعية تمامًا لقراراتها المالية؟ فضلت ساكتة ثواني. وبعدين قلت عندي حاجة. دخلت البيت. فتحت درج قديم في دولابي. وطلعت ظرف بني مقفول بالشمع. الحاجة فاطمة كانت ادتهولي قبل ۏفاتها بحوالي شهر. وقالت لي نادية، خلي الظرف ده عندك.
وما تفتحيهوش مهما حصل. وقتها سألتها طب لو حصل لك حاجة؟ قالت ساعتها هتعرفي تسلميه لمين. ما سألتهاش أكتر. رجعت للصالون وحطيت الظرف قدام المحامي. طارق بص له باستغراب. إيه ده؟ قلت الحاجة فاطمة ادتهولي. المحامي أخده. فك الشمع. طلع أول ورقة. بدأ يقرأ. قرأ السطر الأول. وبعدين رجع قرأه تاني. وشه اتغير. طارق قال في إيه؟ المحامي ما ردش. كمل القراءة. وبعدين رفع عينيه ببطء ناحية طارق.
وقال طارق والدتك كانت موثقة كل حاجة. طارق اتوتر. موثقة إيه؟ المحامي قلب الورقة. الفلوس اللي خرجت من حسابها خلال آخر أربع سنين. طارق ابتلع ريقه. وإيه علاقتها بنادية؟ المحامي بص له في عينه وقال نادية ما أخدتش من والدتك جنيه واحد. سكت لحظة. وبعدين أضاف لكن فيه شخص تاني أخذ منها مبلغًا كبيرًا جدًا ووالدتك كانت محتفظة بكل الأدلة. طارق وشه اتغير. مين؟ المحامي ما ردش. قلب الصفحة التالية.
وكان أول اسم ظاهر عليها اسم طارق نفسه. والأسوأ من كده إن الحاجة فاطمة كانت كاتبة بخط إيدها جملة قصيرة تحت الاسم ابني كڈب عليّ، وسرق فلوسي، ولما عرف إني اكتشفت الحقيقة حاول يثبت إني بقيت غير قادرة على اتخاذ قراراتي. طارق اتجمد مكانه. أما أنا فبدأت أفهم ليه الحاجة فاطمة أصرت إني ما أفتحش الظرف إلا بعد ۏفاتها.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها أنا فضلت واقفة في صالون بيتي الصغير، سامعة صوت انفاسي المترددة، وعيني متثبتة على ملامح الأستاذ سامح بدوي والمحامي بيقلّب في أوراق الظرف البني بحذر، كأنه بيترافق مع ألغام محطوطة بين الكلمات. الصمت كان خنيق، أثقل من سحابة الصيف المكتومة اللي مغطية الشارع بره.
طارق ابن الحاجة فاطمة كان واقف زي التثال المصبوب من الصخر، بس عروق رقبته بدأت تنبض بشكل مخيف، واللون الأحمر بقى يتسلل لوجهه ببطء وهو يبص للورق اللي في إيد المحامي، وكأنه بينتظر صدور حكم بالإعدام. أستاذ سامح... صوت طارق طلع مكسور ومستعجل، خالي تماماً من كل الكبرياء والغرور اللي دخل بيه من باب الشقة من بضعة دقايق أنت بتقرأ إيه بالضبط؟! أمي كانت كبيرة في السن، الأوهام كانت ماليّها في آخر أيامها.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.