طعم الذكريات

نُشر منذ 4 أيام
حفظ
غلاف المقال

أحمد كان واقف في باب المطبخ، وشه أحمر من التوتر والخجل الزايف، عينه رايحة جاية بين أمه الغلبانة اللي لابس الفستان الأزرق القديم، وبين رجل الأعمال الكبير الحاج محمود الشافعي اللي قاعد على صندوق الخشب والدموع نازلة على خدوده، وماسك المعلقة بحرص كأنه ماسك كنز. أحمد قرب بعصبية ووطى صوته وهو بيحاول يمسك دراع الحاج محمود يا حاج محمود.

. والله العظيم دي أمي كبرت في السن وبقت بتلخبط! الأكل البيتي ده ملوش لازمة، أنا طالب لحضرتك أكل فاخر من أكبر مطعم في القاهرة والمفروض السفرة جاهزة برة! الحاج محمود الشافعي قام وقف ببطء ووقار هز المطبخ كله.. مسح دموعه بالمنديل الحريري بتاعه، وبص لأحمد بنظرة صلابة واشمئزاز عمري ما أحمد شافها في حياته.

نبرة صوت الحاج محمود كانت هادية، بس كل كلمة طالعة منها كانت كأنها رصاصة بتخترق الصدر أنت بتقول على أمك بتلخبط يا بشمهندس أحمد؟! أنت بتتكسف من أكل الست العفيفة دي اللي لقت لقمة أكلها بعرق جبهتها وسنين عمرها عشان تخليك يقال عليك مهندس؟! أحمد اتجمد مكانه، بلع ريقه بالعافية وعينيه اتسعت بړعب يا.. يا حاج محمود، أنا بس قصدي أريحها و.

.. قاطعه الحاج محمود بضړبة قوية على الترابيزة الخشبية خلت الحلل والأطباق ترن بسسسس! ما تكملش كڈب وتجمل في نفسك! أنا راجل بدير ألفين موظف وعامل، وبعرف أفرق بين الأصل الطيب والنقاء، وبين الرخص وقلة الأصل! في اللحظة دي.. دخلت منى خطيبة أحمد وأمها نادية المطبخ على صوت الزعيق، وعيونهم مليانة ذهول وتعجب من المشهد. منى قربت من أبوها وقالت بلهفة بابا!

في إيه؟ مالك يا حبيبي بټعيط ليه؟ الحاج محمود مسك إيد الحاجة فاطمة بتبجيل واحترام شديد، وبص لابنته ولزوجته نادية وقال بصوت هز جدران الشقة الشعبية الست فاطمة دي يا منى.. هي السبب إن الأكل اللي كنت بحكي لك عنه طول عمرك ورجعني لذكرى أمي الله يرحمها موجود. الست دي بقى لها سنين بتعافر وتلف بالعجلة والحلل عشان تعمل ابنها راجل ومهندس، ولما بقاله القرشين، بقى بيخبيها في الأوضة الضلمة ويستعر منها قدام الناس!

منى بصت ل أحمد بذهول وصدمة لا توصف، عينيه بدأت تدمع وهي بتبص للكرسي اللي جنب المطبخ والمفرش الأبيض والحلل المستخبية، وفهمت اللعبة والرخص اللي أحمد كان بيحاول يداريه طول القاعدة! أحمد جرى على منى وحاول يمسك إيدها بتوسل منى.. والله العظيم أنا بحبك! أنا بس كنت عايز أظهر قدامكم بمظهر كويس وتشوفوني ابن ناس!

منى سحبت إيدها بقوة وقسۏة، ووقفت جنب الحاجة فاطمة وحضنتها بدفء، وبصت ل أحمد بعيون مليانة كره واشمئزاز مظهر كويس؟! أنت فاكر إن الراجل بيبقى ابن ناس ببدلة ومفرش أبيض وأكل مطاعم يا أحمد؟! الراجل هو اللي يشيل جزمة أمه فوق رأسه قدام الدنيا كلها ويفتخر بعرقها وتعبها! اللي يستعر من الست اللي عملته، بكرة هيبيعني وهيستعر مني ومن أي حد لما أصلحتنا تخلص!

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
946مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة