محمود لما شافني داخلة الأوضة وببدأ أفتح الدولاب وبلم هدومي بجد، وعافية أبويا وهو واقف ساند ظهره على الحيطة ومصمم ياخدني معاه، اتهز جواه كل برود وجبروت. الخوف من الفضيحة وسط العائلات، وإن الناس في الفيوم والقاهرة يعرفوا إنه طرد حماه وجوع مراته، خلا الـرعب يسيطر عليه. جري ورايا الأوضة، وقف بيني وبين الدولاب، وبدأ يكلمني بصوت واطي وبيرتعش، وعينيه بتترجاني: “انتي بتعملي إيه يا بنت الناس؟
فضحتيني قدام أبوكي وخليتي شكلي زبالة، وعاوزة تخربي بيتنا وتسيبي الشقة في أول أسبوع لينا فيها؟ اتقي الله واقعدي!”. بصيت له بنظرة خلت جسمه يقشعر، وقولت له بمنتهى القسوة: “أنا اتقيت الله فيك وفي بخلك سنين، وعشت معاك في شقة كانت هتقع على دماغنا وصابرة، لكن لحد كرامة أبويا والحد ده يتكسر.. يبقى مفيش بيت ومفيش عشرة”.
زقيته من قدامي وكملت لم في الهدوم، وأبويا بره صوته واصل وهو بيقول: “خلصي يا بنتي، القطر مش هيستنانا، والراجل اللي ميعرفش قيمة الأصول، كلامنا معاه مش في الصالة، كلامنا معاه هيبقى مع كبار عيلتنا”. خرجت بالشنطة، ومحمود ورانا زي العيل الصغير، وشه أصفر تماماً، وعمال يحلف لأبويا ويقوله: “يا عمي حقك عليا، أنا غلطان، والشيطان شاطر، أنا هنزل دلوقتي حالا أجيب أحسن غدا من بره، هجيب خروف بحاله، بس متكسرش بخاطري وتاخد مراتي!
”. أبويا مبصلوش أصلاً، وفتح باب الشقة وخرج، وأنا وراه، وقفلنا الباب ورا ظهرنا، وسبنا محمود واقف في نص الشقة الجديدة، اللي دفع دم قلبه في إيجارها، لوحده، مصدوم ومش مستوعب إزاي الست الهادية المطيعة قلبت التربيزة عليه في ثانية ودمرت كبريائه المزيف. ركبنا المواصلات ورجعنا الفيوم. طول الطريق وأنا ماسكة إيد أبويا، وببوس عليها وأعتذر له، وهو يطبطب عليا ويقولي: “انتي رفعتي راسي يا بنتي، والراجل اللي يستخسر في حماته لقمة، بكرة يستخسر فيكي وفي عيالك العلاج واللقمة، البخل في الفلوس بخل في المشاعر وفي الأصول، والبعد عنه غنيمة”.
أول ما وصلنا بيت أبويا في الفيوم، وارتحنا من المشوار، تليفوني مبطلش رن. محمود كان بيتصل كل دقيقة، ولما لقاني مبردش، بدأ يبعت رسائل كلها رجاء وأسف، وبعدها بدأ يدخل وسائط.. كلم عمامي، وكلم جيرانا، والكل بقى يستفسر إيه اللي حصل. وطبعاً محمود مكنش قادر يقول الحقيقة كاملة، كان بيقول “خلاف بسيط على مصاريف الشقة”، بس أنا مسبتلوش فرصة يستعطف حد.
كتبت رسالة جماعية لكل اللي اتدخلوا، وقولتلهم فيها الحقيقة نصاً: “محمود رفض يعمل لأبويا غدا وقالي خليه يجيب أكله معاه، وأبويا اتغدى من الشنطة اللي جايبها معاه من الفيوم”. الصدمة حلت على عيلته هو قبل عيلتي أنا. أبوه وأخواته اتصلوا بيه ووهقوه، وأخوه الكبير كلمه وقاله: “فضحتنا وخليت سيرتنا على كل لسان، انت بتعاير حماك باللقمة؟
!”. محمود حس إن الأرض بتلف بيه، وإن بخله وحرصه على الكام جنيه خسروه كرامته، ومراته، وهيبته قدام الناس كلها. بعد تلات أيام من المقاطعة التامة، تليفون أبويا رن، وكان المتصل هو حمايا (والد محمود)، الراجل الكبير المحترم. طلب من أبويا إنه يقابله، وقاله: “يا حاج، احنا جايين لحد عندك في الفيوم بكرة، أنا ومحمود وكبار العيلة، ورجلينا فوق رقبتنا، وعارفين إن ابننا غلط في الأصول، ومستعدين لأي شرط تشرطوه عشان نصلح الغلط ده”.
أبويا بصلي وقالي: “أهل جوزك جايين بكرة يا بنتي، ومحمود جاي معاهم مكسور الجناح.. وأنا مش هسيب حقك ولا حقي، والمرة دي اللعب هيبقى على المكشوف وشروطنا هتقطم ظهره بجد”. قعدت وفكرت، وبدأت أرتب للخطوة اللي جاية، الخطوة اللي هتخليه يدفع تمن كل لقمة استخسرها فيا، وتمن كل دمعة نزلت من عين أبويا.. وبقيت مستنية بكره بفارغ الصبر عشان أشوف وشه وهو بيسمع الشروط اللي هتحجم بخله طول العمر.
جه اليوم الموعود، وبيت أبويا في الفيوم كان جاهز ومفتوح، بس مش عشان يستقبل ضيوف، كان جاهز عشان يحط نقط فوق الحروف مكنتش محطوطة من سنين. أبويا جمع عمامي الاتنين وكبار عيلتنا، وقعدوا في المندرة الكبيرة مستنيين، وأنا كنت واقفة ورا الستارة، قلبي بيدق بس مش من الخوف، ده كان دق الانتصار والترقب لكسرة عين محمود. ساعة العصر، وصلت عربيتين ونزل منهم حمايا، وأخو محمود الكبير، ومحمود وراهم..
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.