أنا مشيت بخطوات مكسورة، ووقعت على ركبي جنب ناهد على الأرض.. قربت منها وأنا بكي بدموع العجز والندم، وحــ,,ـــــضنتها هي وبنتها الميتة مع بعض.. أخدتهم في حــ,,ـــــضني بقوة، ودموعي بتنزل على وش بنتي وعلى دراع الطفلة الصافية. كنت ببوس رأس بنتي وبقول لها بصوت مكسور: "سامحيني يا ناهد.. سامحيني يا بنتي، أنا السبب.
. أنا اللي عمتني الدنيا.. سامحيني يا حبيبتي." بس للأسف.. ناهد ما تحركتش، ولا ردت عليا، ولا حتى بصلت لي. كانت نظرتها متثبتة في السقف، وجسمها بارد كأنه ميت هي كمان. حــ,,ـــــضنتها بكاءً وندماً، بس كان خلاص... الحــ,,ـــــضن جه بعد فوات الأوان. خسرت حفيدتي، وخسرت بنتي، وخسرت نفسي.. والبيت اللي حاربت عشان أملأه بالدفء، بقى أقسى وأبرد من المقابــ,,ـــــبر.
وبعد اليوم الأسود ده، الدنيا اسودت أكتر، والعمر وقف بيا عند لحظة خروجي من المستشفى. جمال أخد جزاءه واتحكم عليه بالسجــ,,ـــــن، بس السجــ,,ـــــن الحقيقي هو اللي أنا حبت نفسي جواه... سجــ,,ـــــن الندم والذنب اللي بياكل في قلبي كل ثانية. ناهد بنتي... من لحظة ما سحبوا جــ,,ـــــثه بنتها من بين إيديها، عقلتها وقفت، ومبقيتش تنطق ولا كلمة.
الصدمة كانت أكبر من قدرة استيعابها، ودخلت في حالة ذهول وتجمد نفسي تام. الدكاترة قالوا إنها صدمة عصيبة حادة أدت لذهان واكتئاب جسيم، وما كانش قدامنا غير إننا ننقلها لمستشفى الصحة النفسية والعصبية عشان تكون تحت الرعاية على مدار 24 ساعة. بقالي شهور طويلة على الحال ده.. حياتي اتحولت لطقس يومي مرير. أصحى الصبح على السكوت الموحش اللي مالك الشقة الشوم، نفس الشقة اللي فضّلت راجل غريب فيها على راحة بنتي وبنتها.
ألم هدومي وأحضر شنطة صغيرة فيها الأكل اللي ناهد كانت بتحبه، وأمشي بخطوات تقيلة رايحة المستشفى. أقعد قصادها في الأوضة البيضا الباردة، هي قاعدة على الكرسي جنب الشباك، بتبص في الفراغ ويديها ملمومة على صدـ,,ـــرها كأنها لسة شايلة بنتها. عينيها فاضية، مش بتترمِش، ولا بتسجل وجودي أصلاً. أقرب منها، أحط إيدي على دراعها، وأتحايل عليها تأكل لقمة واحدة، بس هي ولا هنا.
.. حيطة سد، لا بتصرخ ولا بتعيط ولا بتتكلم. كل يوم بقعد تحت رجليها على الأرض، أبوس إيديها ورجليها وأبكي بدموع تحــ,,ـــــرق وشي وأولها: "ردي عليا يا ناهد.. شتميني، اضــ,,ـــــربيني، اخنقيني بإيدك بس انطقي! قوليلي أي حاجة يا بنتي، بلاش العذاب ده!"... بس السكوت بيكون هو الرد الوحيد. السكوت اللي بيقطع في قلبي زي المشرط.
أرجع بيتي بالليل، أقعد في الصالة اللي شهدت الجريمة، وألعن نفسي وألعن الساعة اللي فكرت فيها في جواد أو جربت أهرب بيها من الوحدة. ألعن اليوم اللي اتجوزت فيه جمال، واليوم اللي صدقت فيه إن راجل غريب ممكن يعوضني أو يملى عليا دنيتي. يا رتني فضلت وحيدة، يا رتني قفلت الباب عليا وعشت على ذكرياتي، ولا إني أكون السبب في .
حفيدتي وضياع بنتي بالمنظر ده! أنا خسرت كل حاجة... خسرت أمومتي، وخسرت عفتي وصنت بيتي، وخسرت بنتي الوحيدة اللي بقت جسد بلا روح عايش بين حيطان مستشفى المجانين. كل ليلة بمر فيها على أوضتها الفاضية في الشقة، بمسك لعبتها وصورتها وأبكي لحد ما عيني تعمى، وأتمنى لو المــ,,ـــــوت يجي ياخدني ويخلصني من نــ,,ـــــار الذنب دي.
.. بس حتى المــ,,ـــــوت مش راضي يريحني، وسايبني عايشة في جحيم الدنيا، أصحى كل يوم عشان أزور بنتي في المستشفى، وأشوف بعيني ثمن أنانيتي وغبائي اللي هد حياتنا كلها
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.