ريان بصلي، ونظرته كانت دافية جداً، وهمس بصوت واطي محدش سمعه غيري: — أخلص الاجتماع ونتكلم، هستناكي في مكتبي في الشركة بعد ما تخلصي يومك، ولا ناوية تفضلي مستنية الميكروباص؟ ابتسمت من غير ما أحس وهزيت راسي بالموافقة. مشى ريان مع الوفد بتاعه وحراسه، والمديرة كانت ماشية جنبه وراحتهم في اتجاه قاعة الاجتماعات الكبيرة. أول ما اختفوا في أول الممر، الطرقة اتقلبت.
المدرسات والمشرفات كلهم جريوا عليا، اللي واللي بتبارك، واللي مذهولة ومش مصدقة إن ريان السلحدار بنفسه عارفني وواقف قصاد المدرسة كلها بيحرج اللي داسوا على كرامتي. ريهام حاولت تقرب مني وعينها مكسورة، وقالت بصوت واطي: — نورين... إحنا كنا بنهزر معاكي، إنتي عارفة إننا بنحبك ومكناش نقصد... بصتلها بهدوء، ومكنتش حاسة بأي كره ولا حقد، كنت حاسة بس براحة غريبة: — الحسابات دي بينك وبين نفسك يا ريهام، ربنا هو اللي بيجازي كل واحد على قد نيته وكلامه.
سبتها ودخلت فصلي وسط الولاد الصغيرين. قعدت على الكرسي الخشب، ودموعي نزلت في صمت. مكنتش دموع حزن، كانت دموع انكسار سنين بيتشال من فوق كتافي، دموع الستر والعوض اللي ربنا بعته فجأة بعد ما كانت كل الأبواب مقفولة في وشي. خلص اليوم الدراسي، وكنت مرتبكة جداً وأنا رايحة لمقر شركته في التجمع. لما وصلت، لقيت مبنى زجاجي عملاق يبهت أي حد يدخله.
الأمن كانوا متبلغين باسمي، وأول ما قلت "نورين"، لقيتهم بيتعاملوا معايا بكل احترام وترحاب، وركبوني الأسانسير الخاص لحد الدور الأخير. مكتب ريان كان واسع وهادي، بيبص على القاهرة كلها من فوق بالواجهات الزجاجية الكبيرة. ريان كان قاعد ورا مكتبه الخشبي الفخم، قالع الجاكت وفاتح أول زرار من القميص. أول ما دخلت، قام من مكانه وابتسم: — حمد لله على السلامة، افتكرتك هتخافي ومش هتيجي.
قعدت على الكرسي المقابل ليه وأنا بفرك إيديا في بعض من التوتر: — أنا جيت عشان أسألك سؤال واحد يا ريان بيه... ليه عملت كل ده؟ ليه حطيتني في الموقف ده النهاردة؟ ريان قعد على الكرسي اللي قصادي، على نفس المستوى ومن غير أي حواجز بينهم: — أولاً بلاش بيه دي، أنا ريان اللي شرب معاكي قهوة في الشارع. ثانياً، معملتش حاجة غير إني رديت الحق لأصحابه.
أنا سمعت زمايلك وهما بيتسلوا على تعبك وقلة حيلتك، وشفت في عينيكي نظرة قهر أنا عارفها كويس. سكت شوية وبص في عيني بحنية وصدق عمري ما شفتهم في عين راجل: — أنا يا نورين مبدأتش من فوق زي ما الناس فاكرة. أنا بدأت من الصفر، اتمرمطت في المواصلات واشتغلت في عمارات تحت الإنشاء وشيلت الطوب على كتفي لحد ما ربنا كرمني.
أنا عارف يعني إيه الواحد يبقى ماشي في الشارع وكرامته بتوجعه عشان مش معاه اللي مع غيره، وشفت فيكي الجدعنة اللي بجد، الست اللي تضحي براحتها عشان خاطر ابن أختها وعشان عيال غرب مش عيالها. أنتي مش ناقصك حاجة، هما اللي ناقصين أصل وتربية. كلامه دخل قلبي زي المية الباردة في عز الحر، حسيت بصدقه وبإن الراجل ده شايفني بجد، مش شايف قشرة المظاهر.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.