في ليله العيد حكايات رشا خالد 2

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

حماتي كانت قاعدة في زاوية الكنبة، لافة طرحتها وشكلها مهزوم، وأخت جوزي كانت لمّت شنطها وواقفة مستنية تاكسي عشان تهرب لبيتها بعد ما أدركت إن “الخدمة المجانية” انتهت للأبد. أول ما شافوني خارجة، أحمد وقف بسرعة واعترض طريقي في الممر. قال بصوت مبحوح ومكسور، لكنه بيحاول يحافظ على شوية من كبريائه المزيف: — شيماء.. أنتِ بجد هتمشي وتسيبي البيت بالشكل ده؟

أمي مريضة ضغط ومش قادرة تقف على رجلها تعمل لقمة، وبنتك عندها امتحان في المدرسة الأسبوع الجاي.. أنتِ إزاي بقيِتِ بالقسوة دي؟ فين شيماء اللي كانت بتضحي عشان كل الناس؟ وقفت قدامه وبصيت في عينيه بثبات يوزن جبال، وقلت بصوت هادي وواثق: — شيماء اللي كانت بتضحي ماتت ليلة العيد يا أحمد.. يوم ما وقفت قدام أهلك كلهم، ورميت لها جنيه، وضحكتوا كلكم عليها وكأنها خدامة ملهاش قيمة ولا كرامة.

شيماء الجديدة هي اللي واقفة قدامك دلوقتي.. مديرة مشروعات، بتعرف قيمة وقتها ومجهودها كويس أوي. حماتي اتكلمت بصوت فيه شبق ونبرة انكسار لأول مرة: — يا بنتي.. يهديكي يرضيكي، المسامح كريم.. كان هزار وحقك عليا، ارجعي لبيتك وعقلك وهاتيلنا فطار نتلم عليه ونفتح صفحة جديدة. ابتسمت لها ابتسامة باردة جداً وقلت: — الهزار اللي يقل من كرامة بني آدم ميبقاش هزار يا طنط.. ده بقى اسمه استهانة.

وأنتم استهنتوا بيا سنين، وحان الوقت إن كل واحد يشيل شيلته. اللي عايز يفطر، السوبر ماركت تحت البيت، واللي تعبانة، ابنها ياخدها للدكتور بنفسه.. مش أنا اللي هدفع من صحتي وعمري تاني ببلاش. مسكت إيد بنتي، وفتحت الباب وخرجت، وسبت ورايا صوت أحمد وهو بينادي بعصبية وصوت أمه وهي بتتحسر. وصلت الشركة الساعة تسعة إلا ربع.

أجواء الشغل كانت مولعة، المكاتب كلها شغالين زي خلية النحل تحضيراً لاجتماع الوفد الخليجي، المستثمرين الكبار اللي الشركة بتسعى للتعاقد معاهم بقالها أكتر من سنتين. دخلت مكتبي، حطيت شنطتي، وفتحت الملفات. كان معايا ساعة واحدة بس أراجع فيها كل التفاصيل الماليّة والهندسية للمشروع. الأستاذ كمال دخل عليا المكتب وهو ماسك كوباية قهوة وشكله متوتر جداً. قال وهو بيمسح عرقه: — شيماء.

. الوفد وصل مبكر نص ساعة وقاعدين في غرفة الاجتماعات الكبيرة. المهندس هشام اللي كان مسك المشروع بعدك زمان.. اعتذر فجأة وقال إنه مش جاهز يقدم العرض! كل الحمل عليكِ دلوقتي.. لو الصفقة دي تمت، الشركة هتروح في مكان تاني خالص، واسمك هيتكتب بحروف من دهب. بصيت للأستاذ كمال وابتسمت بثقة: — متقلقش يا أستاذ كمال.. أنا مش بس جاهزة، أنا هخليهم يوقعوا العقد قبل ما يخرجوا من الأوضة.

دخلت غرفة الاجتماعات. الطاولة البيضاوية الكبيرة كان قاعد عليها ستة من كبار المستثمرين، ومعاهم رئيس مجلس إدارة شركتنا. أول ما دخلت بالبدلة الزيتي والمجلدات في إيدي، ونظرة الثبات في عيني، الكل سكت والتفت لي. بدأت العرض التقديمي. اتكلمت بأسلوب علمي، وبأرقام دقيقة، وبحلول مبتكرة للمشاكل الهندسية والمالية اللي كانت معطلة المشروع من سنين. كل ما يسألوا سؤال صعبة، كنت برد بتلقائية وثقة أبهرت الحاضرين كلهم.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HA

Hind Abdelaziz ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
960مقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة